الصفحة 132 من 192

التخلفِ والرجعيةِ، وملهاةً للشعوب وتخديرًا لها، حتى تظلَّ دائمًا غائبةً عن وعيِها، مغِّيبةً عنْ واقعها، منعزلةً عن ماضيها، ذاهلةً عن مستقبلها.

-وكما استطاع إبليسُ اللعينُ بأساليبه الدِّعائيةِ الملتويةِ، ووسائلِه ووساوسِه الإعلامية المضلِّلة، ووسائلِه الإعلانيَّةِ الخدَّاعةِ، من دفع أبوينا إلى الأكل من الشجرة [1] ، فلقد نجح خلفاؤُه وجنودُه من اليهودِ وغيرهم في استغلال أبواقِ الإعلام وأبوابه، وفتحِ نوافذِهِ، وامتطاءِ وسائلِه، وركوبِ متنِهِ؛ لتحقيقِ مآربِهِمْ وإحكامِ سيطرتِهِمْ بأساليبَ فائقةٍ، بلغتْ في تمويهِ الأضاليلِ الغايةَ، وفي تشويهِ الحقائقِ، وزخرفةِ الأباطيلِ النهايةَ.

ولسانُ حالهم يعبِّر عن فخِرِهم بهذا المسلكِ الوَعِرِ الذي انحدروا إليه، وتلك الهوَّة السحيقةِ التي انحطُّوا إليها: حتى يقول قائلهم

وكنتُ امرأً من جندِ إبليسَ حتى ارتقَى*** بي الحالُ فصار إبليسُ مِنْ جندي

ولعلَّ هذا هو سرُّ التعبير بشياطين الإنس وتقديمهم على شياطين الجنَّ في قوله تعالى ? { ? ? ? ?} ؛ إنه التآمرُ بين الفريقينِ والتواطؤُ بينهما حيث تفاقمَت أخطارُهم لا سيَّما في هذا العصر، حيث يبدو ذلك واضحًا في ظلِّ هذا الظهورِ الإعلامي الفجِّ لشياطين الإنس ومن وراء [الكواليسِ] : إخوانُهم من شياطين الإنس والجنِّ؛ بوساوسهم وتزيينهم وإلهاماتهم وإيحاءاتهم وإمدادهم لتلك الحشودِ، من الكُتَّابِ والمخرجينَ ومهندسي الإضاءة و الزِّينات [الديكور] ، والمنتجينَ والممثلين والنقاد والمحكمين والمذيعين الذين يَلبِسون الحقَّ بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون، ويجرُّون الناسَ إلى المعاصي جهارا نهارا.

كما ورد عن مالكِ بنِ دينارٍ رحمه الله أنه قال:"شياطينُ الإنسِ أَشَدُّ عَلَيَّ من شياطينِ الجِنِّ وذلك أني إنْ تعوَّذْتُ باللهِ مِنْ شياطينِ الجِنِّ ذهبتْ عني، وشياطينُ الإنسِ تجيئُنِي فَتَجُرُّنِي إلى المعاصِي عَيَانًا" [2] .

والوحيُ هو مطلقُ الإعلام، سواءً كانَ في العلنِ أم في خفيةٍ، بقولٍ أم بإِشَارَةٍ أو إيماءةٍ

(1) - تحدثتُ في كتابي"المرأة في القصص القرآني": عن وسوسة الشيطان لهما، يراجع الفصل الأول من هذا الكتاب 1/ 43: 135

(2) - معالم التنزيل للإمام البغوي 3/ 180

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت