بعد الحديث عن فساد معتقدات المشركين وإقامةِ الحجج على بطلانها: تمضي بنا الآياتُ في جولةٍ أخرى لتكشف لنا المزيد من جهالاتِ أولئك المشركين الذين حرموا ما أحلَّ الله لهم واستحلُّوا ما حرم عليهم، من ذلك: أنهم جعلوا من الزروع والأنعام التي خلقها الله سبحانه نصيبًا له تعالى يعطونه للفقراء والمساكين ويطعمون به الضيفان وغيرهم، وجعلوا لأصنامهم نصيبًا آخر يقدمونه للسدنة والكهنة.
التفسير الإجمالي
لا تزالُ آياتُ هذه السورة الكريمة تكشف لنا المزيدَ عن تقاليد المشركين البالية التي اقتفوا بها سَننَ آبائهم وأجدادِهم، ومنها تلك القسمة الباطلة الجائرة التي تتحدث عنها الآيات الكريمة.
قال تعالى { ? ? ? ? ? ? ?} ، أي: بتقولهم ووضعهم الذي لا علم لهم به ولا هدى مع علمهم بأن الله تعالى هو الخالق الرازق.
{? } يصرف للكهنة والسدنة.
فما كان لشركائهم فإنه يصل إليها بتمامه دون انتقاصٍ منه فيذهب إلى القرابين لتلك الأصنام وينتفع به سدنتُها وكهنتها، وما كان لله بزعمهم فإن النصيبَ الأكبرَ والحظَّ الأوفرَ ينصرفُ إلى الأصنام وكهنتها وسدنتها لا إلى الفقراء والمساكين.
قال الشوكاني رحمه الله:"هذا بيان نوع آخر من أنواع كفرهم وجهلهم وإيثارهم لآلهتهم على الله سبحانه، أي جعلوا لله سبحانه مما خلق من حرثهم ونتاجِ دوابِّهم نصيبًا، ولآلهتهم نصيبًا من ذلك، يصرفونه في سدنتها والقائمين بخدمتها، فإذا ذهب ما لآلهتهم بإنفاقه في ذلك عوّضوا عنه ما جعلوه لله، وقالوا: الله غنيٌّ عن ذلك، وقيل معنى الآية: أنهم كانوا إذا ذبحوا ما جعلوه لله ذكروا عليه اسم أصنامهم، وإذا ذبحوا ما لأصنامهم لم يذكروا عليه اسم الله، فهذا معنى الوصول إلى الله، والوصول إلى شركائهم" [1] .
وكانوا يجعلون لله من حروثهم وثمارهم وأنعامهم وسائر أموالهم نصيبًا وللأصنام نصيبًا، فما جعلوه من ذلك لله صرفوه إلى الضيفان والمساكين وما جعلوه للأصنام أنفقوه عليها وعلى
(1) - فتح القدير للشوكاني 2/ 165 بتصرف