-بمناسبةِ قوله تعالى {? ? ? } قال سيد قطب رحمه الله:"ليهلكوهم وليجعلوا دينهم عليهم ملتبسا غامضا لا يقفون منه على تصور واضح. . فأما الهلاك فيتمثل ابتداء في قتلهم لأولادهم؛ ويتمثل أخيرًا في فساد الحياة الاجتماعية بجملتها، وصيرورة الناس ماشية ضالة يوجهها رعاتها المفسدون حيثما شاءوا، وفق أهوائهم ومصالحهم! حتى ليتحكمون في أنفسهم وأولادهم وأموالهم بالقتل والهلاك، فلا تجد هذه الغنم الضالة لها مفرا من الخضوع؛ لأن التصورات المتلبسة بالدين والعقيدة - وما هي منها - بكل ثقلها وعمقها، تتعاون مع العرف الاجتماعي المنبثق منها، وتنشئ ثقلا ساحقا لا تقف له جماهير الناس، ما لم تعتصم منه بدين واضح؛ وما لم ترجع في أمرها كلِّه إلى ميزانٍ ثابتٍ، وهذه التصورات المبهمة الغامضة؛ وهذا العرف الاجتماعي الذي ينبثق منها، ويضغط على جمهرة الناس بثقله الساحق، لا ينحصر في تلك الصور التي عرفتها الجاهليات القديمة، فنحن نشهده اليوم بصورة أوضح في الجاهليات الحديثة. . هذه العادات والتقاليد التي تكلف الناس العنت الشديد في حياتهم، ثم لا يجدون لأنفسهم منها مفرا. . هذه الأزياء والمراسم التي تفرض نفسها على الناس فرضا، وتكلفهم أحيانا ما لا يطيقون من النفقة، وتأكل حياتهم واهتماماتهم، ثم تفسد أخلاقهم وحياتهم، ومع ذلك لا يملكون إلا الخضوع لها. . أزياء الصباح، وأزياء بعد الظهر، وأزياء المساء. . الأزياء القصيرة، والأزياء الضيقة، والأزياء المضحكة! وأزياء التنكر، وأنواع الزينة والتجميل والتصفيف. . . إلى آخر هذا الاسترقاق المذلّ. . من الذي يصنعه ومن الذي يقف وراءه؟ تقف وراءه بيوت الأزياء. وتقف وراءه شركات الإنتاج! ويقف وراءه المرابون في بيوت المال والبنوك من الذين يعطون أموالهم للصناعات ليأخذوا هم حصيلة كدها! ويقف وراءه اليهود الذين يعملون لتدمير البشرية كلها ليحكموها!" [1]
-من ضروب جهالتهم وسفاهتهم وحمقهم وافترائهم: أنهم حرموا ما أحلَّ الله واستحلُّوا ما حرَّم الله فجعلوا من الأنعام والزروع ما لا يطعمها إلا من يشاءون من الكهنة والذكور حسب أهوائهم ووفق معتقداتهم الفاسدة.
فائدة: قال الإمام الرازي:"وصف الله المشركين بأوصافٍ سبعة: هي: الخسران والسفاهة، وعدم العلم، وتحريم ما رزقهم الله، والافتراء على الله، والضلال وعدم الاهتداء، فهذه أمور سبعة وكل واحد منها سبب تام في حصول الذم" [2] .
(1) - في ظلال القرآن 3/ 1219 بتصرف.
(2) - التفسير الكبير للرازي 5/ 161 ولقد فصل الرازي هذه الأوصاف السبعة.