وحين يكون الأمرُ كذلك: حين يكونُ الإعراضُ متعمَّدا ومقصودًا - مع توافر الأدلة، وتواتر الآيات ووضوح الحقائق: فإن التهديد بالبطش قد يُحْدِثُ الهِزَّةَ التي تفتح نوافذَ الفطرة حين تسقط عنها حواجز الكبر والعناد" [1] ."
-تكذيبٌ واستهزاءٌ
ليس إعراضهم عن هذه الآيات: توقفا في شأنها، أو انشغالا عن النظر فيها، أو تسويفا للبحث في شأنها: وإنما هو التكذيب والاستهزاء، ولو أنهم تجردوا من الأهواء وأبصروا الآيات بعين النظر والتأمل وأعملوا عقولهم: لما كذبوا بكل ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - وطرق قلوبهم وقرع أسماعهم وهو الحق من عند ربهم! ولكنهم عمُوا وصمُّوا!
قال الإمام الرازي رحمه الله:"اعلم أنه تعالى رتَّب أحوالَ هؤلاء الكفار على ثلاث مراتب، فالمرتبة الأولى: كونهم معرضين عن التأمل في الدلائل والتفكر في البينات، والمرتبة الثانية: كونهم مكذبين بها وهذه المرتبةُ أزيدُ مما قبلها، لأن المعرض عن الشيء قد لا يكون مكذبًا به، بل يكون غافلًا عنه غير متعرض له، فإذا صار مكذبًا به فقد زاد على الإعراض، والمرتبة الثالثة: كونهم مستهزئين بها لأن المكذب بالشيء قد لا يبلغ تكذيبه به إلى حد الاستهزاء، فإذا بلغ إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى في الإنكار، فبين تعالى أن أولئك الكفار وصلوا إلى هذه المراتب الثلاثة على هذا الترتيب". [2]
وعيدٌ شديدٌ لما ينتظرهم من الويل والثبور وعظائم الأمور؛ جزاءَ تكذيبهم الواقع واستهزائهم المستمر، ولسوف يعلمون حين تنكشف لهم الحقائق وترفع الحجب ويعاينوا العذاب أنهم كانوا على ضلال مبين.
قال صاحب الكشاف:" {فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاء} الشيء الذي {كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءونَ} وهو القرآن، أي أخباره وأحواله، بمعنى: سيعلمون بأي شيء استهزءوا. وسيظهر لهم أنه لم يكن"
(1) - في ظلال القرآن لسيد قطب 2/ 1036، 1037 بتصرف يسير.
(2) - التفسير الكبير للفخر الرازي 4/ 483