أخبر الله تعالى عن إنزاله التوراة على موسى - عليه السلام - وأبانَ عن مقاصدها وسماتِها فبين سبحانه أنها نزلت هدايةً ورحمةً وبيانا وحكمةً وفضلا من الله ونعمةً ونورا وعصمة ورحمة، ثم استطرد السياق إلى الحديث عن نزولِ القرآن الكريم بالبركات والرحمات وأنه لا عذر لمن أعرض عنه فهو المعجزة الكبرى والرسالة الخالدة والحجة البالغة.
قال أبو السعود رحمه الله:"وثم للتراخي في الإخبار كما في قولك: بلغني ما صنعتَ اليوم ثم ما صنعتَ أمس أعجبُ، أو للتفاوت في الرتبة كأنه قيل: ذلكم وصاكم به قديمًا وحديثًا ثم أعظمُ من ذلك أنا آتينا موسى التوراةَ، فإن إيتاءَها مشتملةً على الوصية المذكورةِ وغيرِها أعظمُ من التوصية بها فقط" [1] .
أي تمامًا على من أحسن من قومه لأنه كان منهم المحسن والمسيء، وقيل: معناه تمامًا على كل من أحسن من الأنبياء والصالحين أي أتممنا فضله عليهم بالكتاب، وقيل: الذي أحسن هو موسى فيكون الذي بمعنى ما أي على ما أحسن، وتقديره وآتينا موسى الكتاب إتمامًا للنعمة عليه لإحسانه في الطاعة والعبادة وتبليغ الرسالة وأداء الأمر.
آتاه الله التوراة هدايةً ورحمةً وتماما وتفصيلا ووفاءً لجميع ما يحتاج إليه في شريعته، كما قال: { ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? } [الأعراف:145] .
وإذا كانت التوراة تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء فالقرآن الكريم هو الرسالة المتممةُ الخالدة والمعجزة الباقيةُ المتجددة والينبوع الفياض {? ? ? ? ? ? ? ? } أخبر تعالى عن أنه أنزله ووصفه بالبركة وأمر باتباعِهِ، وتقواهُ تعالى لمن يطمعُ في رحمته.
ثم بين المراد من إنزاله وهو إقامة الحجة البالغة فقال سبحانه { ? ? ? ? ? ? ? ? ? } : نزل القرآن الكريم بهذا اللسان العربي حجةً على الناس عامة وعلى العرب خاصةً؛ لئلا يتعللوا بأن الكتب نزلت على اليهود
(1) - نفس المرجع 2/ 462