الصفحة 30 من 192

-القادر

بعد بيان إحاطةَ ملكِهِ وعموم تصرِّفه سبحانه في الآخرة، بين أن الأمر كذلك في الدنيا، فالتصرُّف فيها لله وحده، وفي هذه الآية تقريرٌ لتفرده تعالى بالولايةِ لأنه لا يدفع الضر ولا يجلب الخير سواه.

والمعنى إن تنزل بك شدةٌ من فقرٍ أو مرض أو خوفٍ أو أذى فلا كاشف لها ولا يصرفها إلا الله، وإن يصبك بعافيةٍ أو رخاءٍ أو نعمةٍ فهو على كل شيء قدير.

أما تلك الآلهة المزعومة فهي لا تملك نفعا ولا ضرا؛ فكيف يتخذونها أولياء من دون الله!

وإنما قابل الضر بالخير لأن الضر من الله ليس شرا في الحقيقة بل هو تربية واختبار للعبد يستفيد به من هو أهل للاستفادة أخلاقا وأدبًا وعلمًا وخبرة. وقد بدأ بذكر الضر لأن كشفه مقدَّم على نيل مقابله، كما أن صرف العذاب في الآخرة مقدَّم على النعيم.

-القاهر

هذه الآية تقرير لما سبق، وبيان أن ما يصيب الإنسان من خير أو شر إنما جرى بإرادة المولى عز وجل وسلطانه لا بإرادة العبد واختياره، وإرادته تعالى مبنيةٌ على حكمة وخبرة بما يُصلحُ هذا الكون ويحقق التوازن في هذه الحياة.

فهو تعالى القاهر فوق عباده: فسبحان من خضعت له الرقاب وذلت لقدرته الصعاب وعنت له الوجوه وسجدت له الجباه ودانت له الخلائق تواضعا لعظمته وخشوعا وهيبة لجلاله وكبريائه وعلوه وقهره وإذعانا لحكمته.

قال الإمام الألوسي رحمه الله:"... والفوقية بمعنى الفوقية في الفضل مما يثبتها السلف لله تعالى أيضًا وهي متحققة في ضمن الفوقية المطلقة، وكذا يثبتون فوقية القهر والغلبة كما يثبتون فوقية الذات ويؤمنون بجميع ذلك على الوجه اللائق بجلال ذاته وكمال صفاته سبحانه وتعالى منزهين له سبحانه عما يلزم ذلك مما يستحيل عليه جل شأنه ولا يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ولا يعدلون عن الألفاظ الشرعية نفيًا ولا إثباتًا لئلا يثبتوا معنى فاسدًا أو ينفوا معنى صحيحًا فهم يثبتون الفوقية كما أثبتها الله تعالى لنفسه." [1] .

(1) - روح المعاني للألوسي- 7/ 149

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت