فلحظات الصفا وأوقات الهنا فيها قليلة ضئيلة سرعان ما تزول، أما الآخرة: فنعيم مقيم، ومقام كريم، وعيش رغيد، وعطاء مديد، وملك لا يبيد، في جنات الخلود.
الصلة بين آيات المقطع ومحور السورة
تنتظم هذه الآيات الكريمة مع المحور العام لهذه السورة الكريمة: حيث تعرِضُ لركنٍ أساسيٍّ من أركان العقيدة وهو الإيمان باليوم الآخر ومواقف المشركين في هذا اليوم العظيم، وإقرارهم واعتذارهم وأسفهم وحسرتهم على ما كان منهم في الدنيا من تكذيب وإعراض، وصدودٍ واغترارٍ وتعلُّقٍ بأهداب الدنيا الفانيةِ وحبالها البالية، وتمنيهم عند معاينةِ أهوالِ الحشرِ وعرَصاتِ القيامةِ العودةَ إلى الدنيا ليستدركوا ما فاتهم ويغيِّروا مسارَهم ويُصَحِّحوا عقيدَتهم، ويُصلِحوا آخرتهم، بعد أن أدركوا حقيقة الدنيا الفانية ونعيمها الماحِل ومتاعها الزائل.
الهدايات المستنبطة
-مصير الظلمة المعاندين عند المواجهة الحاسمة حين يحشرهم الله جميعا حيث المذلة والهوان والحسرة والندم والتراجع عن مواقفهم التي أصروا عليها في الدنيا.
-من أسباب صدودهم عن الحق: ما على قلوبهم من أكنةٍ تحجب عن الحق، وما في آذانهم من وقر يحول دون سماعه وتدبره، فضلا عن نظرتهم القاصرة للدنيا وغفلتهم عن حقيقتها واغترارهم بها، وفتنتهم بمتاعها القليل.
-إن الخُسارة الحقيقية، هي الخُسارةُ التي لا تعدلها خُسارة، ولا يمكن جبرُها أو تعويضُها أو النهوضُ منها أو التفلُّت من مغبَّتها ونتائِجها وتبِعاتِها، هي خُسارة الكافرين لدنياهم وأخراهم؛ ففي الدنيا خسروا كلَّ ما ربحه المؤمنون من الرضا واليقين والأنس برب العالمين، والبهجة والسرور وطمأنينة القلب وانشراح الصدور، خسروا لذة المحبة في الله ولذة البذل والعطاء ومتعةَ التضحية والإيثار، وفي الآخرة الحرمان من الجنان والخلود في النيران فضلا عن الكُربةِ بخسارة الأهل والأحبة [1] .
-تخليهم عن ماضيهم كله وإقرارهم بربوبية الله وحده؛ وتعريهم من الشرك الذي مارسوه في حياتهم الدنيا، ولكن بعد فوات الأوان وانطواء صحائف الأعمال واستحالة العودة إلى الدنيا.
-"ألا فليتأمل العاقل مصير هؤلاء، وما يؤول إليه حالهم من الاضطراب والقلق وتمني الخلاص من العذاب الشديد" [2] .
(1) - لمزيدِ بيان يراجع كتابي يتيمة الدهر في تفسير سورة العصر.
(2) - التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج د وهبة الزحيلي 4/ 182