التفسير الإجمالي
استئثاره تعالى بعلم مفاتح الغيب.
بعد أن خُتِمَتِ الآيات السابقة ببيان علمه تعالى بالظالمين وإحاطته بأحوالهم ومعرفته بعاقبتهم وساعة الهلاك التي ترتقبهم، والعذاب الذي يتربص بهم: بينت هذه الآيات استئثاره تعالى بمعرفة مفاتح الغيب التي لا يعلمها سواه.
قال البقاعي:"ولما كانت هذه الآيات مثبتة لجزئيات من علمه تعالى وقدرته، وكان ختامها العلم بالظالم وغيره، أتبعها الاختصاص بما هو أعم من ذلك، وهو علم مفاتح الغيب الذي لا يصل إليه إلا من حازها، إذ لا يطلع على الخزائن إلا من فتحها، ولا يفتحها إلا من حاز مفاتيحها وعلم كيف يفتح بها، فإثبات ذلك في هذا الأسلوب من باب الترقية في مراقي الاعتقاد من درجة كاملة إلى أكمل منها" [1] .
وقال الإمام الشوكاني رحمه الله:"ويندرج تحت هذه الآية علمُ ما يستعجله الكفار من العذاب كما يرشد إليه السياق اندراجًا أوّليًا، وفي هذه الآية الشريفة ما يدفع أباطيل الكهان والمنجمين وغيرهم من المدّعين ما ليس من شأنهم، ولا يدخل تحت قدرتهم، ولا يحيط به علمهم، ولقد ابتُلِيَ الإسلامُ وأهلُهُ بقومِ سوءٍ من هذه الأجناسِ الضالةِ، والأنواعِ المخذولةِ، ولم يربحوا من أكاذيبهم وأباطيلهم بغير خُطَّةِ السوءِ المذكورة في قول الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ أَتَى عَرَّافا أو كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كفرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» " [2] .
ولقد جاء في سورة لقمان تفصيلٌ لهذه الآية الكريمة قال تعالى { ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?} وورد في السنة النبوية تقريرُ ذلك: فعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ - رضي الله عنهم - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - رضي الله عنه - قَالَ {مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} : خَمْسٌ: { ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?} [سورة لقمان] [3] .
قال صاحب المنار:"الساعة: مفتاح عالم الآخرة، والغيث: مفتاح عالم النبات {? ? ? ?} : مفتاح عالم الإنسان والحيوان، {? ? ? ? ? ?} : مفتاح الكسب والأعمال، {? ? ? ? ?} : مفتاح عالم البرزخ" [4]
قال الإمام البقاعي رحمه الله:"لما ذكر علم الغيب، أتبعه علمَ الشهادة، لأن القضايا العقلية المحضة يصعب تحصيل العلم بها على سبيل التمام إلا للكُمَّل من الأنام الذين تجردوا فتعودوا استحضار المعقولات المجردة، والقرآن إنما أنزل لنفع جميع الخلق: على تفاوت مداركهم، فكان ذكر المحسوسات الداخلة تحت القضية العقلية الكلية معينًا على تصور ذلك المعقول ورسوخه في القلب ..." [5] .
{ ? ? ? } خصَّهُما تعالى بالذكر لأنهما من أعظم المخلوقات، ومستقرُّ معظم الكائنات على وجه الأرض، {? ? ? ? ? } :"فإحاطةُ علمه تعالى لحركة الورقة الساقطة أُنموذجٌ لأحوال سائرها؛ لأن الذي لا يغفل عن الورقة الميتة الساقطة، لا شكَّ أن علمَه محيطٌ بغيرها من الأحوال والحركات، ويمتدُّ علمُه تعالى من حركةِ الورقةِ الميتةِ الساقطةِ إلى حركة البزوغ والنَّماء لكل حبةٍ في بطن الأرض" [6] .
{? ? ? ? ? ? ? } : يعلمها سبحانه، وهي مكتوبة عنده في اللوح المحفوظ الذي سجَّلَ اللهُ فيه ما كان وما يكون وما سيكون.
وقال الإمام الخازن رحمه الله:"لما قال الله تعالى وعنده مفاتح الغيب على سبيل الإجمال ذكر من بعد ذلك الإجمال ما يدل على التفصيل، فذكر هذه الأشياء المحسوسة ليدل بها على"
(1) - نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي 2/ 646
(2) - فتح القدير للشوكاني 2/ 422، والحديث: رواه الإمام أحمد في مسنده 2/ 429 والبيهقي في السنن 8/ 135 والحاكم في المستدرك 1/ 8 وقال صحيح على شرطهما ووافقه الذهبي. سنن أبي داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ورواه الترمذي في السنن عنه ونصه"مَنْ أَتى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةٍ في دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا: فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -. سنن الترمذي - أبواب الطهارة- بَابُ مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ إِتْيَانِ الحَائِضِ حديث 135"
(3) - صحيح البخاري كتاب التفسير باب {? ? ? ? ? ? ?} حديث 4351
(4) - تفسير القرآن الحكيم"المنار"لسيد رشيد رضا 7/ 468.
(5) - نظم الدرر للبقاعي 3/ 64 بتصرف
(6) - بصائر الحق للشيخ عبد الحميد طهماز ص 62