الصفحة 74 من 192

وكما أن نجاتكم بيد الله تعالى وحده، فهو تعالى القادر على إهلاككم بإنزال العذاب عليهم بشتى السبل التي تتصورها عقولكم والتي لا تخطر لكم ببال، وفي هذا وعيدٌ شديدٌ وتحذيرٌ وتهديدٌ لأولئك المشركين المعاندين، أن يُلحقَ العذاب بهم من فوقهم أو من تحت أرجلهم أو من بينهم، لكنهم مع كثرة هذه النذر وتكرر الوعيد وتنوع العبر والتفنن في الخطاب لا يفقهون ذلك.

قال الإمام الماوردي:"فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن العذاب الذي من فوقهم الرجم، والذي من تحت أرجلهم الخسف، قاله ابن جبير، ومجاهد، وأبو مالك."

والثاني: أن العذاب الذي من فوقهم أئمة السوء، والعذاب الذي من تحت أرجلهم عبيد السوء، قاله ابن عباس.

والثالث: أن الذي من فوقهم الطوفان، والذي من تحت أرجلهم الريح، حكاه علي بن عيسى.

ويحتمل أن العذاب الذي من فوقهم طوارق السماء التي ليست من أفعال العباد لأنها فوقهم، والتي من تحت أرجلهم ما كان من أفعال العباد لأن الأرض تحت أرجلهم" [1] "

وقال ابن الجوزي:"قوله تعالى: { ? } قال ابن عباس: يَبُثُّ فيكم الأهواء المختلفة، فتصيرون فِرَقًا، قال ابن قتيبة: يلبسكم: من الالتباس عليهم. والمعنى: حتى تكونوا شِيعًَا، أي: فرقا مختلفين. ثم يذيق بعضكم بأس بعض بالقتال والحرب. وقال الزجاج: يلبسكم، أي: يخلط أمركم خلط اضطراب، لا خلط اتفاق. يقال: لَبَسْتُ عليهم الأمر، ألبَسه: إذا لم أبيِّنه. ومعنى شِيَعًا، أي يجعلكم فرقًا، فإذا كنتم مختلفين، قاتل بعضكم بعضًا." [2] .

وهذا الخطاب وإن كان موجها في الأصل إلى الكفار إلا أن هذه الفتن ينبغي الحذرُ منها والتعوذُ بالله من شرورها كما فعل ذلك نبينا - صلى الله عليه وسلم:

روى البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: لما نزلت هذه الآية: { ? ? ? ?} قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أعوذ بوجهك". { ? } قال - صلى الله عليه وسلم:"أعوذ بوجهك". { ? ? ? } قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"هذه أهون -أو قال: هذا أيسر" [3] .

وكذبوا بالقرآن وبما جاء فيه من وعدٍ وعيد وحكمٍ وأحكام وهو الحق المبين، { ? ?} : فلا أتحملُ تَبِعَةَ تكذيبكم ولا أحاسبُ عنكم.

{? ? } : لكل نبأ أي لكل خبر عظيم وقت استقرار وحصول لا بد منه، وسوف تعلمونه في المستقبل عند حلوله بكم متى شاء الله ذلك، ومثال هذا: قوله تعالى {? ? ? } [سورة ص: 88]

المناسبة بين آيات المقطع ومحور السورة

تنتظمُ هذه الآيات الكريمة مع المحور العام لهذه السورة، وهو تقرير العقيدة، وتعميق الإيمان؛ وذلك: ببيان إحاطةِ علمه وكمالِ قدرتِهِ وقهره، وعظيمِ سلطانِهِِ، ونقضِ دعائمِ الشركِ، وتصوراته الضالة حول عالمِ الغيبِ والشهادةِ، والاستدلالِ على إمكانيةِ البعثِ، وإقامةِ الحججِ وتصريفِ الآياتِ.

الهدايات المستنبطة

-بينت هذه الآيات استئثاره تعالى بمفاتح الغيب التي لا يعلمها سواه.

-وفي هذه الآيات ما يدفع أباطيل الكهان والمنجمين وغيرهم من المدّعين ما ليس من شأنهم، ولا يدخل تحت قدرتهم، ولا يحيط به علمهم.

-بينت الآيات الكريمة إحاطة علمه تعالى بعالم الغيب فضلا عن عالم الشهادة، فسبحان من أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا.

-جعل الله لهذا الكون سننًا ثابتة، وأطلع الإنسان منها بقدر ما يلزم له لعمارة الأرض والقيام بمهمة الاستخلاف، كما منحه الله القدرة على تسخير قوى الكون وفق هذه السنن لتعمير الأرض، والانتفاع بأقواتها وأرزاقها وطاقاتها، وفق تقدير الله تعالى وتدبيره.

(1) - النكت والعيون للماوردي ... 1/ 414

(2) - زاد المسير لابن الجوزي 3/ 59

(3) - رواه البخاري في صحيحه كتاب التفسير باب قوله تعالى {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} حديث 4352، ورواه النسائي في السنن الكبرى حديث 7731

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت