فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 173

ومما ينبغي التنويه به في هذا الشأن أن مجال الإيثار يشمل الأمور المعنوية كما يشمل الأمور المادية، كعمل صالح ينسب لواحد منكما، أو وجاهة في مجلس من المجالس، أو صدارة في موقف من المواقف، كما يكون الإيثار أيضًا في راحة من تحمل عبء من الأعباء، فذلك كله مجال لإيثار أخيك على نفسك أو على الأقل تحب له ما تحب لنفسك ...

ولكننا أحيانًا ودون أن نشعر قد لا يَكتفي أحدنا بتقديم نفسه على صاحبه بل ربما قدم عليه حماره أو دابته!! ولعلك أيها القارئ تنزعج من الكلام، ولكن تأمل بلاغة بعض السابقين ـ وهو يُفَطِّن أخاه لمثل ذلك ـ يتضح لك الأمر:

فقد حكي أن رجلًا لقي صاحبًا له فقال له: إني أحبك. فقال: كذبت؛ لو كنت صادقًا ما كان لفرسك برقع وليس لي عباءة [1] .

والحقيقة أن البون شاسع بين ما كان سلفنا الصالح ـ خاصة الصحابة رضي الله عنهم ـ يؤثرون به إخوانهم وبين ما نؤثر به إخواننا إن آثرناهم ... وما طمعنا في الكثير من الإيثار ... بل إننا لنجاهد أنفسنا على مساواة إخواننا بنا، فنحقق على الأقل قوله - صلى الله عليه وسلم: (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) ) [2] .

قال أبو يعقوب: دخلنا على أبي المطيع القرباني نسأله الحديث، فقدم إلينا طعامًا فأمسكنا عنه، فقال: يا هؤلاء، كانت المواساة بين الإخوان قبلنا بالضياع والرباع

(1) الصداقة والصديق ص82، وفيه: قيل لأبي العريب المصري: إذا كان الرجل يحب صاحبه ويمنعه ماله، أيكون صديقًا؟ قال: يكون صادقًا في حبه، مقصرًا في حقه.

(2) سبق تخريجه ص26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت