فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 173

والبراذين والمماليك والدور والبدور [1] ، فصارت اليوم إلى هذا، وهو مروءتنا، فإن أمسكتم عن هذا أيضًا ذهب هذا القدر، وماتت سنة السلف فلا تفعلوا، فأقبلنا عليه وأكلنا [2] .

وكان ابن المبارك رحمه الله إذا كان وقت الحج، اجتمع إليه إخوانه من أهل مرو، فيقولون: نصحبك، فيقول: هاتوا نفقاتكم، فيأخذ نفقاتهم، فيجعلها في صندوق، ويقفل عليها، ثم يكتري لهم، ويخرجهم من مرو إلى بغداد، فلا يزال ينفق عليهم، ويطعمهم أطيب الطعام، وأطيب الحلوى، ثم يخرجهم من بغداد بأحسن زيِّ وأكمل مروءة، حتى يصلوا إلى مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فيقول لكل واحد: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من المدينة من طُرَفها؟ فيقول: كذا وكذا، ثم يخرجهم إلى مكة، فإذا قضوا حجهم، قال لكل واحد منهم: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من متاع مكة؟ فيقول: كذا وكذا، فيشتري لهم، ثم يخرجهم من مكة فلا يزال ينفق عليهم إلى أن يصيروا إلى مرو، فيجصص بيوتهم وأبوابهم، فإذا كانوا بعد ثلاثة أيام، عمل لهم وليمة وكساهم، فإذا أكلوا وسروا، دعا بالصندوق، ففتحه ودفع إلى كل رجل منهم صرته عليها اسمه.

وروي أنه قال للفضيل: لولاك وأصحابك ما اتجرت [3] .

وللأسف فإن أقوامًا اليوم بعدما خرجوا لحياة الدرهم والدينار وخاضوا معتركها ألغوا من حياتهم، ومن عواطفهم ومشاعرهم شيئًا اسمه (المحبة إلى حَدِّ الإيثار) وأن ما

(1) الضياع جمع ضيعة وهي العقار، والرباع جمع ربع وهو الدار، والبراذين جمع برذون وهو الدابة، وذلك بمثابة بالإيثار بالسيارة في أيامنا، والمماليك العبيد، والبدور جمع بدرة وهي وعاء من جلد به نحو عشرة آلاف درهم. انظر: لسان العرب ص229، 252، 1563، 2624.

(2) الصداقة والصديق ص82، 83.

(3) انظر: سير أعلام النبلاء (8/ 385، 386) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت