وقال آخر:
عليك بإغباب الزيارة إنها ... إذا كثرت كانت إلى الهجرِ مسْلكًا
فإني رأيت الغيث يُسْأم دائبًا ... ويُسأل بالأيدي إذا هو أمسكا [1]
لكن البعض يرى في الواقع أنه لا يستوي في القرب شخص يوده دائمًا وآخر لا يراه ولا يزوره إلا نادرًا، فما الضابط في كثرة الزيارة، لاسيما إذا خاف الأخ إذا أقل من زيارته لأخيه أن تذهب المودة؟
والجواب أنه لابد من مراعاة ثلاثة أمور:
الأول: أن لا يكون الاقتصاد أو عدم الإكثار من الزيارة مصاحبًا للجهل بأحوال الصاحب والغفلة عن ظروفه، بل المراد الاقتصاد في الزيارة مع الاهتمام بأحوال صاحبك وظروفه، وبقدر الحاجة لذلك تكرر الزيارة.
ثانيًا: أن الإكثار في الزيارة إذا كان لحاجة أخيك لا لحظ نفسك فإنه سيزيد المحبة؛ لأن السعي في قضاء حوائج أخيك أمر محمود حث عليه الشرع (( والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ) ) [2] .
ثالثًا: أن الإقلال من الزيارة لا ينبغي أن يصل إلى الحد الذي يشق على الأخ أو يسيء بسببه الظن بك. وهذا أمر نسبي يتفاوت من شخص لآخر، ولا تستوي في ذلك نفوس الناس ومشاعرهم، لكن المهم أن تحذر من الزيارات الزائدة عن حاجة المزور، فذلك مفتاح المشاكل والأخطاء وربما العداوات.
قال بعض الشعراء يدعو للتوسط في الزيارة بين الإكثار والهجران:
(1) روضة العقلاء ص117، ونحوها مع اختلاف يسير في بهجة المجالس (1/ 258) .
(2) سبق تخريجه ص124.