والمسلم لا يستطيع الانضباط في هذه القضية إلا إذا ملك لسانه وسيطر على زمامه بقوة فكبحه حيث يجب الصمت، وضبطه حين يريد المقال، أما الذين تقودهم ألسنتهم فإنما تقودهم إلى مصارعهم.
والإنسان نهي عن الجدل والمماراة في القرآن وأمور الدين [1] ، وأولى كذلك أن يترك الجدل في أمور الدنيا وتوافه الأمور التي لا يترتب على سكوته عنها حدوث منكر.
(ذلك أن هناك أحوالًا تستبد بالنفس وتغري بالمغالبة، وتجعل المرء يناوش غيره بالحديث ويصيد الشبهات التي تَدْعم جانبه والعبارات التي تروج حجته، فيكون حب الانتصار عنده أهم من إظهار الحق، وتبرز طبائع العناد والأثرة في صورة منكرة لا يبقى معها مكان لتبين أو طمأنينة، والإسلام يُنَفِّرُ من هذه الأحوال ويعدها خطرًا على الدين والفضيلة.
وهناك أناس أوتوا بسطة في ألسنتهم تغريهم بالاشتباك مع العالم والجاهل، وتجعل الكلام لديهم شهوة غالبة، فهم لا يملونه أبدًا. وهذا الصنف إذا سلط ذلاقته على شئون الناس أساء، وإذا سلطها على حقائق الدين شوه جمالها وأضاع هيبتها.
وقد سخط الإسلام أشد السخط على هذا الفريق الثرثار المتقعر، قال النبي - صلى الله عليه وسلم:
(1) قال - صلى الله عليه وسلم: (( المراء في القرآن كفر ) )رواه أبو داود في السنة رقم (4603) ، وصححه الألباني صحيح سنن أبي داود رقم (3847) ، ورواه الإمام أحمد (2/ 258، 478، 494) بلفظ:"جدال في القرآن كفر"ورواه (2/ 286، 424، 475، 503، 528) بلفظ:"مراء في القرآن كفر"من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وروى أبو داود الطيالسي في مسنده رقم (2286) عن عبد الله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا تجادلوا في القرآن فإن جدالًا فيه كفر ) )، وصححه الألباني في الجامع الصغير رقم (7223) .