ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلتَ الجنة رفعت مع النبيين، وإن دخلتُ الجنة خشيتُ أن لا أراك [1] .
ولو كان كل ما يربط هذا الرجل بالرسول - صلى الله عليه وسلم - من معاني المحبة طاعته، فذلك ينتهي بانتهاء الدنيا إذ لا تكليف في الجنة ... ولكن كان في قلب هذا الرجل عاطفة وشوق لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وذلك لا ينقطع ولا يزول بانتهاء التكليف.
وفي رواية أنه جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محزون فقال له - صلى الله عليه وسلم: (( يا فلان مالي أراك محزونًا؟ ) )فقال: يا نبي الله, شئ فكرت فيه. فقال: (( ما هو؟ ) )قال: نحن نغدو عليك ونروح, ننظر إلى وجهك, ونجالسك, وغدًا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك ... فلم يرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئًا حتى أتاه جبريل بهذه الآية: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء:69] فبشره [2] .
فتأمل ما يشغل قلب هذا الصحابي بعد دخوله الجنة وفوزه بنعيمها, يشغله عدم رؤيته للرسول - صلى الله عليه وسلم - ... محبة قلبية عظيمة وعاطفة صادقة جياشة ... تلك العاطفة التي
(1) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (7/ 7) :"رواه الطبراني في الصغير والأوسط ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران العابدي وهو ثقة"اهـ. ورواه أبو نعيم في الحلية (4/ 240) ، (8/ 125) ، وزاد ابن كثير في تفسيره (1/ 495) نسبته لابن مردويه وللحافظ أبي عبد الله المقدسي في كتابه صفة الجنة وذكر قوله:"لا أرى بإسناده بأسًا"اهـ. وذكره الشيخ مقبل في الصحيح المسند من أسباب النزول ص70، 71.
(2) هذه الرواية لابن جرير في تفسيره (8/ 534/9924) ، عن سعيد بن جبير فهي مرسلة ويشهد لها الرواية السابقة.