فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 173

القلب وتريح النفس وتزيل الغم.

والعاطفة الصادقة هي التي تجعل المحب يؤثر أحبابه على نفسه ولو بما به قوام الحياة ... ويخاف عليهم كما يخاف على نفسه أو أشد، ويشق عليه أدنى كدر أو أذى يصيبهم.

قال بعض السلف: إن الذباب ليقع على صديقي فيشق عليّ.

والمؤمن الصادق في حبه لأخيه يضحي براحته ليريح أخاه ويضحي بماله ليمنح أخاه, بل قد بلغ إيثاره لأخيه وخوفه عليه أن يعرض حياته للخطر من أجله، والأمثلة في هذا وغيره كثيرة مشهورة حفلت بها حياة الصحابة الكرام وسلفنا الصالح, فمنها: ذلك اللقاء التاريخي الحافل بين المهاجرين والأنصار وليس يربطهم قرابة نسب ولا دم وإنما ربطتهم قرابة العقيدة وأخوة الإيمان .. الأنصار في المدينة بكل مشاعر الحب، بكل مشاعر الإخاء، ... كلهم يتسابق في إيواء المهاجرين ومشاطرتهم المال والمتاع، فكان الأنصاري يطلق من نسائه ليجد المهاجري امرأة يتزوجها [1] ، ويترك أحب ماله هبة لأخيه حتى أن الواقدي يذكر أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما تحول من بني عمرو بن عوف في قباء إلى المدينة تحول أصحابه من المهاجرين فتنافست فيهم الأنصار أن ينزلوا عليهم حتى اقترعوا فيهم بالسهمان، فما نزل أحد منهم على أحد إلا بقرعة سهم [2] ... ) [3] .

(1) المختار من الصداقة والصديق لأبي حيان التوحيدي ص134، وفي العقد الفريد (2/ 163) قال: قال سعيد بن العاص: إني لأكره أن يمر الذباب بجليسي مخافة أن يؤذيه.

(2) ومن أمثلة ذلك ما رواه البخاري في النكاح رقم (5072) عن أنس بن مالك قال:"قدم عبد الرحمن بن عوف فآخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، وعند الأنصاري امرأتان فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله فقال: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق ..."إلخ، قال ابن حجر رحمه الله في الفتح (9/ 19) :"وفيه ما كانوا عليه من الإيثار حتى بالنفس والأهل"اهـ. وسيأتي تخريج الحديث ص59.

(3) نزول المهاجرين على الأنصار بالقرعة ثابت في صحيح البخاري، فقد روى البخاري في الجنائز (1243) عن خارجة بن زيد بن ثابت أن أم العلاء ـ امرأة من الأنصار بايعت النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ أخبرته أنه اقتُسِمَ المهاجرون قرعة فطار لنا عثمان بن مظعون فأنزلناه في أبياتنا ..."الحديث، ورواه في مناقب الأنصار (3929) ، ورواه في الشهادات (26879) بلفظ:"أن عثمان بن مظعون طار له سهمه في السكنى حيث أقرعت الأنصار سكنى المهاجرين، قالت أم العلاء: فسكن عندنا عثمان بن مظعون ..."، وفي كتاب التعبير (7003) بلفظ:"أخبرته أنهم اقتسموا المهاجرين قرعة، قالت: فطار لنا عثمان بن مظعون وأنزلناه في أبياتنا"وفيه أيضًا (7018) بلفظ"طار لنا عثمان بن مظعون في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت