السنة. ثم قدم سنة ثانية وثالثة فأتيته فسلمت عليه وسألته فقال: اعزم على شرط: يكون أحدنا الأمير لا يخالفه الآخر. فقلت: أنت الأمير. فقال: لا بل أنت، فقلت: أنت أسن وأولى. فقال: لا تعصني. فقلت: نعم ـ وما درى مصعب أن المروزي قبل الإدارة لخدمة أخيه لا لاستخدامه، وليعلِّم كل أمير قوم أن يكون خادمًا ومحبًا لهم وعطوفًا عليهم ورحيمًا بهم ـ قال مصعب: فخرجت معه، وكان إذا حضر الطعام يؤثرني فإذا عارضته بشيء قال: ألم أشرط عليك أن لا تخالفني! فكان هذا دأبنا حتى ندمت على صحبته لما يُلحق نفسه من الضرر.
فأصابنا في بعض الأيام مطر شديد ونحن نسير فقال لي: يا أبا أحمد اطلب الميل [1] . ثم قال لي: اقعد في أصله، فأقعدني في أصله وجعل يديه على الميل وهو قائم قد حنا عليَّ، وعليه كساء قد تجلل به يظلني من المطر حتى تمنيت أني لم أخرج معه لما يلحق نفسه من الضرر. فلم يزل هذا دأبه حتى دخل مكة رحمة الله عليه [2] .
وإن العاطفة الصادقة الحية هي التي تجعل الأخ يدعو لمحبوبه بظهر الغيب ... ويذكره في الأوقات الفاضلة ... وقد كان الإمام أحمد رحمه الله يدعو لنفر من إخوانه في السحر بأسمائهم .. وقد رغبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك وما ترك شيئًا يكمل الأخوة والمحبة بين المسلمين إلا علمنا إياه، فقال - صلى الله عليه وسلم: (( دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة ) ) [3] .
(1) أي اذهب إلى أقرب ميل. والميل هو: حجر قائم يبنى للمسافر ـ ولاسيما في طريق مكة ـ للاهتداء به وإدراك المسافة، وبين كل ميل وآخر مقدار مدى البصر. (من أخلاق السلف ص112) ، وفي لسان العرب: وقيل: للأعلام المبنية في طريق مكة أميال؛ لأنها بنيت على مقادير مدى البصر من الميل إلى الميل. والميل: منار يبنى للمسافر في أنشاز الأرض وأشرافها. انظر: لسان العرب ص4311.
(2) من أخلاق السلف ص112 نقلًا عن صفة الصفة (4/ 148، 149) .
(3) رواه مسلم في الذكر والدعاء رقم (2732، 2733) ، وابن ماجه في المناسك رقم (2895) ، وأحمد في المسند (5/ 195) .