وقل أن يتذكر الإنسان إخوانه والمبتلين من المسلمين إذا تجرد قلبه عن العاطفة والشفقة ... ومن ثم يندر أن يدعو لأحد بظهر الغيب ... اللهم إلا لو كان له مصلحة عند أخيه أو له مراد ما في منازعة جرت بينهما فيدعو لأخيه أن يلين قلبه وينصلح حاله، وهذا يعني من وجهة نظره أن يقتنع أخوه بوجهة نظره ويترك منازعته، ويتجمل بهذا الدعاء في المجالس فيقول: إن فلانًا الذي تظنون أنني أعاديه، أحبه وأدعو له بظهر الغيب، فإذا قيل له: بم تدعو له بظهر الغيب؟ قال: أدعو له بالهداية والرجوع إلى الحق. ونحو ذلك.
وليس هذا بالضرورة علامة محبة، بل قد يكون أقرب إلى السب من الحب؛ يجعل الدعاء متنفسًا له ينتقص فيه أخاه ويضعه موضع الضال المقصر والمنحرف الجاهلي وغير ذلك ... ولذا لا تجده مثلًا يدعو له مع ذلك بأن يسكنه الله الفردوس الأعلى أو أن يقر عينه بماله وولده وأهله ويبارك له في عمره ويرزقه السعادة التامة وعلو الشأن في الدارين إلى آخره من دعاء المحبين لإخوانهم ...
وإن العاطفة الحية هي التي تجعل المحب يقوم بسائر حقوق الأخوة تجاه أخيه قبل أن يعاتبه أخوه أو يذكره بها أحد، فتراه يدافع عنه في غيبته، ويخف إلى مساعدته في أموره وإنجاز حوائجه، ويحب له ما يحب لنفسه، ويفرح بالنعمة التي تصيبه كما لو كانت قد أصابته هو، فقلبه طاهر من الغل والحقد والحسد والمكر واللؤم، فقلبه صافٍ لأحبابه وإخوانه صفاء أفئدة الطير ...
وكل هذه المعاني يدفعنا إليها رسولنا - صلى الله عليه وسلم - دفعًا ليعيننا على تطهير قلوبنا ويرغبنا أعظم ترغيب ويحذرنا أقوى تحذير ... فهو القائل صلوات الله وسلامه عليه: (( لا يؤمن