ومن المحبين من يحرص على القرب من أحبابه وإن تباعدوا عنه ولا ينسى الدعاء لهم، وهذا قمة المحبة والإخلاص والحرص على الأحباب.
قال بعضهم:
مَا ودَّني أحدٌ إلا بذلت له ... صفو المودةِ مِني آخرَ الأبَدِ
ولا جفَانِي وإن كنتُ المحبَّ له ... إلا دعوْتُ له الرحمنَ بالرشَدِ [1]
(وقال الشاطبي:
وقد قيل كُنْ كالكلبِ يقْصِيه أهلُه ... وما يأتلي في نصحِهم متبذلا
وذلك أن الكلب يضرب ويجفى ويُقصى ولا يزداد إلى قربًا ودنوًا من أصحابه، وفي قصة أصحاب الكهف وشأن كلبهم معهم ذكرى وعبرة) [2] .
ولبعض المحبين ملحظ آخر وذلك أنهم تباعدوا أو بتعبير أدق باعدوا أنفسهم عن أحبابهم مع ما في ذلك من المشقة على نفوسهم لما رأوهم يحبون ذلك إدخالًا للسرور عليهم وحرصًا على راحتهم لا غضبًا أو بغضًا.
قال أحدهم:
رأيتك لا تختارُ إلا تباعُدِي ... فباعدتُ نفسي لاتبَاع هوَاكا
فبعدك يؤذيني وقربي لكم أذى ... فكيف احتيالي يا من جعلتُ فِدَاكا
وهذا يقودنا إلى مسألة التفاوت بين حب كل من الصاحبين لصاحبه، وهي مسألة
(1) روضة العقلاء ص207.
(2) بتصرف يسير من الصداقة والصديق ص115، وبيت الشعر المذكور أورده ابن القيم في إغاثة اللهفان (1/ 89) ونسبه للشاطبي.