مؤثرة في النفس، أعني حين تشعر أن صاحبك لا يحبك مثل ذاك الحب الشديد الذي تجده في نفسك تجاهه، ولكن يهون ذلك عليك ويخففه تلك البشرى العظيمة التي بشر بها المصطفى - صلى الله عليه وسلم - المحبين حين قال: (( ما من رجلين تحابا في الله بظهر الغيب إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حبًا لصاحبه ) ) [1] .
والبعض تتألم نفسه حين يجد أن صاحبه لا يبادله المحبة بنفس القدر أو المستوى، وفي الحقيقة هذه مسألة ينبغي أن يكون الإنسان فيها أكثر مرونة، وأن يتقبلها أو يضعها في حجمها الطبيعي، فالغالب في المتحابين أن حبهم لبعضهم لا يتساوى، ويقل أن تجد متحابين يتساوى قدر حب كل واحد منهما للآخر تمامًا ...
ومن طريف ما روي عن رجل صادق في محبته لصاحبه، شديد الشوق إليه، ما رواه قدامة بن جعفر أن رجلًا كتب إلى آخر: إن رأيت أن تحدد لي موعدًا لزيارتك أتوقته إلى وقت فيؤنسني إلى حين فافعل. فأجابه الآخر: أخاف أن أعدك وعدًا يعرض دون الوفاء به ما لا أملك دفعه فتكون الحسرة أعظم من الفرقة. فأجابه: إنما أسر بموعدك وأكون جذلًا بانتظارك، فإن عاق عائق عن إنجاز وعدك كنت قد ربحت السرور لما أحبه، وأصبت أجري على الحسرة بما حرمته.
ولا يخلو صاحبك الذي لا تشعر منه بنفس القدر أو المستوى من المحبة الذي تتجه به إليه من أحد حالين: إما أنه لا يحب مصاحبتك أصلًا، وإما أنه يحب صحبتك ومؤاخاتك ولكن حبك له أكثر.
أما الحالة الأخيرة فيسيرة، ولتحتسب فيها الأجر والثواب، واعذر فيها صاحبك، وهي نعمة وفضل من الله عليك، وكفاك في ذلك ما سبق في الحديث الصحيح: (( ما
(1) سبق تخريجه ص12، هامش (3) .