وإذًا فإذا بدرت من أخيك إساءة أو خطأ في حقك فإما أن تتجاوز عن ذلك وتتغافل إن قدرت عليه مع طيب نفسك وصفائها، وإلا فعليك بمعاتبته في ود كما قال أبو الدرداء رضي الله عنه: معاتبة الأخ خير من فقده، ومن لك بأخيك كله [1] .
وهذا يقودنا إلى الكلام عن فقه المعاتبة:
فأحيانًا نقرأ كلامًا منقولًا عن بعض الصالحين في استحباب ترك العتاب بين الأحبة، وأحيانًا يجعلون المعاتبة من حسن الصحبة، فما الضابط في هذه المسألة؟
وبيان ذلك أنه يحسن ترك العتاب إذا كنت لن تتخذ موقفًا تُسِرُّه ولن تحكم على أخيك حكمًا تكنه في داخل نفسك، وإلا فأنت محسن في الظاهر بترك العتاب، مسيء في الباطن بحكمك على أخيك قبل أن تعطي للمعاتبة فرصتها، فربما كان ذلك رافعًا لظلمك له.
وإذن فأنت بين أمرين: إما أن تترك العتاب ونفسك صافية ولا تتخذ موقفًا تضمره في داخل نفسك من أخيك ... وهذه درجة رفيعة ... وفي مثل ذلك يقول ابن السماك لما قال له صاحبه: غدًا نتعاتب، قال: بل غدًا نتغافر [2] .
وقال آخر [3] :
(1) عيون الأخبار لابن قتيبة (3/ 34) ، حلية الأولياء (1/ 215) ، أدب الدنيا والدين ص174، العقد الفريد (2/ 78) ، بهجة المجالس (2/ 704) ، وذكر عن موسى بن جعفر قوله: من لك بأخيك كله لا تستقص عليه فتبقى بلا أخ. السابق (2/ 705) .
(2) انظر: العوائق لمحمد أحمد الراشد ص129.
(3) قال أبو حيان: عتب ابن ثوابة أبو العباس على سعيد بن حميد في شيء فكتب إليه سعيد: أقلل عتابك فالزمان قليل ... إلخ، المختار من رسالة الصداقة والصديق ص68، 69.