ولكن هذا مع الحذر من الإكثار أو المعاتبة في كل صغيرة وكبيرة.
وإذن فالمعاتبة لابد منها إذا كنت بصدد اتخاذ موقف أو حكم فصل في أخيك، فالعتاب في هذه الحالة يغسل درن ما حصل ويعيد وصل ما انقطع.
والبعض للأسف قد يهجر أخاه ويكتم السبب ويظل أخوه متألمًا ولا يدري ما السبب، فأين دور العتاب؟
لكن احذر من معاتبة صاحبك في وقت غير مناسب، خاصة إذا أصابته نازلة أو مصيبة لاسيما إن كانت بسبب خطئه ...
وأقبح من ذلك لو عيرته بما أصابه بسبب خطئه، فتذكَّر أن الأيام دول، وقد تبتلى بمثل خطئه، فالأفضل في مثل هذه الظروف أن تترك العتاب مؤقتًا ولتتحول إلى التجاهل لخطئه والترفق به إلى أن يحين الوقت المناسب للعتاب، فباختيار الأوقات المناسبة للعتاب تحسن بينكما المعاملة وتتجنبان شر المجادلة.
ومما سبق يتبين أن هنالك عدة خطوات ينبغي مراعاتها في تعاملك مع صاحبك إذا أخطأ: فأول ذلك أن تكون قد تبينت الخطأ بنفسك وتيقنت منه، فإذا ما كان ذلك فليكن تصرفك الأول العفو والتجاوز عن زلته.
فإذا ما تجاوزت عن زلته مرة بعد مرة ومع ذلك لم ينته وإذا بخطاياه تزداد فهنا ـ وقبل أن تتعجل الحكم عليه وتقرر الإعراض عنه ـ اجعل أمرك معه وسطًا بين هجره ووصله، وعاتبه قبل الحكم الفصل، فكم يوضح العتاب من حقائق كانت محل شك وارتياب [1] .
(1) ولنا أسوة في منهجه - صلى الله عليه وسلم - في معالجة خطأ حاطب بن أبي بلتعة لما بعث للمشركين يخبرهم بخروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ كانت الخطوة الأولى تحققه - صلى الله عليه وسلم - من ذلك الخطأ عن طريق الوحي، ثم كانت الخطوة الثانية الاستفسار أو المعاتبة بقوله - صلى الله عليه وسلم - له: (( ما حملك على ما صنعت؟! ) )فلما أجابه بأنه أراد أن تكون له يد عند المشركين يحمي بها قرابته وماله ... ولم يكن ذلك عن نفاق أو خيانة ... ولكنه على أية حال خطأ، لم يحكم عليه - صلى الله عليه وسلم - بهذا التصرف الواحد بل وزنه بحسناته وسيئاته معًا معبرًا عن ذلك بقوله لعمر حين غضب وأراد ضرب عنق حاطب: (( إنه شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) )وقصة حاطب رضي الله عنه رواها البخاري في الجهاد رقم (3007، 3081) في المغازي رقم (3983، 4274) ، وفي التفسير رقم (4890) ، وفي استتابة المرتدين رقم (6939) ، ومسلم في فضائل الصحابة رقم (2494) ، وأبو داود في الجهاد رقم (2650) ، والترمذي في التفسير رقم (3305) ، وأحمد في المسند (1/ 79، 80، 105) .