قال أبو إسحاق الشيرازي:"كان -إسماعيل- جمع القرآن وعلم القرآن، والحديث وآثار العلماء، والفقه، والكلام، والمعرفة بعلم اللسان، وكان من نظراء المبرد في علم كتاب سيبويه، وكان المبرد يقول:"لولا اشتغاله برئاسة الفقه والقضاء، لذهب برئاستنا في النحو والأدب" [1] ."
تتلمذ القاضي إسماعيل على نخبة من الأئمة الكبار الفطاحل، منهم: علي بن المديني، وأبو الوليد الطيالسي، وأبو بكر ابن أبي شيبة، وأبو مصعب الزهري، والقعنبي، وإسماعيل بن أبي أويس، وغيرهم كثير ... وتفقه بجماعة، منهم: ابن المعذل، العَلَم الفذّ الذي كان القاضي إسماعيل يرى نفسه محظوظًا بالتفقه عليه ويفتخر بذلك، فقد حكي عنه أنه كان يقول:"أفخر على الناس برجلين بالبصرة: أحمد بن المعذل يعلمني الفقه، وعلي بن المديني يعلمني الحديث" [2] .
وحظي بالتتلمذ على الإمام إسماعيل القاضي جم غفير من طلبة العلم الذين أدركوا شأوه ومكانته العلمية السامقة، فقصدوه من جهات متعددة، لينهلوا من معينه العذب، وليرتووا من علومه الغزيرة الناضجة، ومن هؤلاء: موسى بن هارون الحافظ، وعبد الله بن حنبل، وأبو القاسم البغوي، وابن الأنباري، وأبو سهل ابن زياد، والنسائي، وابن المنتاب، وأبو بشر الدولابي، وأبو عبد الله التركاني، والفرياني، وقاسم بن أصبغ الأندلسي ... وخلق كثير.
وقد اجتمع لمترجمنا من العلم والمعرفة والفضل ما تفرق في أسلافه من مالكية العراق، فقد كان علمًا فذًا متميزًا نابغة، انفرد بالإمامة في وقته، وفاق أهل عصره في كثير من العلوم، وفي مقدمتها: علم الفقه، الذي أحرز دقائقه، وملك ناصيته، وقنص شوارده، وأبرز حقائقه، وكان فيه الإمام الفحل الذي لا يناضل ولا ينازع. وقد شهد له أئمة عصره ومن تلاهم بالتفوق والنبوغ وبلوغ أقصى مدارك العلم، فنصبوا رتبته على رؤوس الأعلام، ومنحوه من الأوصاف والألقاب ما لم يوصف به أحد من معاصريه، فهو"شيخ الإسلام"كما وصفه الذهبي، و"شيخ المالكية في وقته"، و"إمام تام الإمامة يقتدى به"على حد تعبير أبي محمد بن أبي زيد، وهو"من علماء الدنيا وسادة القضاة وعقلائهم"كما قال أبو طالب المالكي.
وحكي عن مترجمنا قوله:"دخلت يوما على يحيى بن أكثم، وعندهم قوم يتناظرون في الفقه وهم يقولون: قال أهل المدينة، فلما رآني مقبلا قال: قد جاءت المدينة". وقال نصر بن على الجهضمي:"ليس في"
(1) طبقات الفقهاء، للشيرازي، ص: 166، 167، وانظر الديباج المذهب: 1/ 285.
(2) طبقات الفقهاء، ص: 166، وانظر ترتيب المدارك: 4/ 279.