آل حماد بن زيد أفضل من إسماعيل بن إسحاق" [1] . وناهيك بأمثال هؤلاء الأئمة الأعلام الفضلاء ثقاة شهودًا عدولًا."
هذا، وقدم الشيخ إسماعيل القاضي للمذهب المالكي في العراق خدمات جليلة، فمكث برهة طويلة يبسطه ويشرحه ويلخصه، ويحتج له، ويحدد معالمه، ويُظهر محاسنه ومزاياه وخصائصه، ويدعو إليه ويرغب فيه [2] ، وينشر منه ما لم يكن بالعراق في وقت من الأوقات، حتى اعتبره بعض أهل العلم المؤسس الأول للفرع المالكي بالعراق [3] ، وقد عقّبنا على هذا الرأي سلفا [4] ، وبينا ما فيه من المبالغة، وأوردنا أسماء بعض أسلاف القاضي إسماعيل من كبار مالكية العراق الذين كان لهم أثر واضح في التأسيس للمدرسة المالكية العراقية، وفي مقدمة هؤلاء: بعض شيوخ إسماعيل القاضي، كابن مهدي العنبري، وأحمد بن المعذل، وغيرهم.
فمما لا مرية فيه أن هؤلاء الأعلام قد أسهموا في وضع الحجر الأساسي لبناء المدرسة المالكية العراقية، ثم جاء إسماعيل القاضي ليرسّخ جذور هذه المدرسة، ويوطد دعائمها، ويعلي شأنها، ويرفع لواءها، ويبوّئها المكانة السامية اللائقة بها، وكانت جهوده ومساعيه في خدمة المذهب - بلا شك - أكثر ظهورا، وأقوى تأثيرًا، لما حباه الله به من علم غزير، وفقه دقيق، ومعرفة موسوعية مستنيرة، فلم تَعرف العراق نظيرًا له من قبل. فهذا أبو الوليد الباجي يذكر من جمع فقه مالك وبلغ درجة الاجتهاد من أصحابه فيقول:"ولم تحصل هذه الدرجة بعد مالك إلا لإسماعيل القاضي" [5] .
وقد خلّف هذا الإمام الجهبذ والفقيه الألمعي آثارًا علمية جليلة القدر، غزيرة الفائدة، عظيمة النفع، شاهدة على نبوغه، واتساع معارفه ومداركه، وعلو كعبه، وطول باعه، ورسوخ قدمه في مختلف مجالات المعرفة الإسلامية، وخاصة في ميدان الفقه الذي كان يتسابق أهل زمانه في حلبة رهانه، فكان هو الإمام المتضلع فيه، المتألق فيه، الماسك بزمامه، والآخذ بناصيته، والمتمكن من حل مشكلاته المستعصية -كما سلف - فقد بلغ غاية معارفه ونهاية مدارجه، حتى عد الإمام القطب الذي تدور حوله رحى الفقه.
(1) انظر تاريخ بغداد: 6/ 286؛ ترتيب المدارك: 4/ 281؛ سير أعلام النبلاء: 13/ 330؛ الديباج المذهب: 1/ 285، 288.
(2) قال أبو حاتم القاضي الحنفي:"لبث إسماعيل أربعين سنة يميت ذكر أبي حنيفة من العراق". (ترتيب المدارك: 4/ 280) .
(3) انظر الفهرست، لابن النديم، ص: 282؛ تاريخ بغداد: 6/ 284، 285؛ ترتيب المدارك: 4/ 280، 281؛ سير أعلام النبلاء: 13/ 340.
(4) راجع ص: 19.
(5) انظر الديباج المذهب: 1/ 286.