ت أنه لم يكن ابن خطل فحسب ممن قتل ردة في يوم الفتح حتى يكون لذلك تأويل بقتله غلامه، فقد كان ممن أهدر دمه للحكم بكفرهم عدة أشخاص ذكرهم الإمام النسائي في سننه من حديث سعد بن أبي وقاص أنه قال:"لما كان يوم فتح مكة، أمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال: اقتلوهم! وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة، عكرمة ابن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح"، ومن المرتدين كان مقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، فقد أسلما ثم ارتدا من قبل.
ث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَقَرَّ الرجل الأعمى الذي قتل زوجته لأنه ارتد بسبها للنبي، قال الإمام أبو داود:"أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا، فَلَا تَنْتَهِي، وَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ، جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وَتَشْتُمُهُ، فَأَخَذَ الْمِغْوَلَ فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا، وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا طِفْلٌ، فَلَطَّخَتْ مَا هُنَاكَ بِالدَّمِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: «أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ» ، فَقَامَ الْأَعْمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ وَهُوَ يَتَزَلْزَلُ حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا صَاحِبُهَا، كَانَتْ تَشْتُمُكَ، وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَأَزْجُرُهَا، فَلَا تَنْزَجِرُ، وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً، فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتُمُكَ، وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَخَذْتُ الْمِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا، وَاتَّكَاتُ عَلَيْهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «أَلَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ» " [1] .
ج أن الصحابة قد ساروا بهذه السنة فيمن ارتد في عصرهم، وكانوا ينسبون ذلك للنبي ويطبقونه، فقد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا موسى ومعاذا إلى اليمن، فقال: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا) . فقال أبو موسى: يا نبي الله إن أرضنا بها شراب من الشعير المزر، وشراب من العسل البتع، فقال: (كل مسكر حرام) . فانطلقا، فجعلا يتزاوران في سفرهما، فزار معاذ أبا موسى، فإذا رجل موثق، فقال: ما هذا؟ فقال أبو موسى: يهودي أسلم ثم ارتد، فقال معاذ: لأضربن عنقه [2] ، وهذا يرد على قوله:"فإذا أصر بعض الناس على صحة وقوة حديث"من بدل دينه فاقتلوه"فيصار إلى أنه للجواز وليس للوجوب، وما يصرفه عن الوجوب ما سبق من الشواهد التي تثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتل مرتدا لمجرد أنه بدل دينه، ولكنه جمع إلى ذلك إفعالا من المحاربة التي تستحق القتل" [3] ، وذلك لأنه قد ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته قد كانت سنته قتل المرتد، بغض النظر أنه جمع إلى ردته أفعالا من المحاربة أم لا.
ح وكما ورد في تحريق علي - رضي الله عنهم - للزنادقة، ولا غضاضة في كونه قد علم بحد الردة، وجهل حكم الحرق إلا عند من يغلو فيه ويدعي له العصمة.
خ أنه ورد عن عمر قبوله للحد، وإنكاره لمسألةِ مُخَالَفَةِ مَن حَولَهُ للاستتابة، فجاء في الموطأ من حديث
(1) -رواه الإمام أبو داود (4361) في سننه، وصححه الألباني
(2) -صحيح البخاري = الجامع الصحيح (4344)
(3) - حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام (39)