أولا: موقفه من أحاديث الآحاد والاستدلال بها
1 -ذهب الأستاذ البنا إلى عدم الأخذ بأحاديث الآحاد، وقد ورد ذلك ضمنيا في ثنايا بيانه لما يستدل به والأخذ بالمتواتر والحكم العقلي، يقول أنه رغم أن الفقهاء قرروا أن مرتبة العلم اليقيني والضروري والقطعي هو ما جاءت به نصوص القرآن والمتواتر من الحديث والحكم العقلي، إلا أنهم عادوا فقرروا أن هناك علما بغلبة الظن أو رجحان صدق القضية كما في حديث الآحاد، ولم يمنع المحدثون من قبوله رغم وجود احتمال ضئيل لعدم الثبوت [1] .
2 -يقول أن الظن المذكور في القرآن يدل على الظن الباطل، واستدل ببعض الآيات منها:"وقد استخدم القرآن طن ومشتقاتها بمعنى يغلب عليه الظن بالباطل" [2] ، ثم ذكر مجموعة من الآيات الدالة على ذلك.
الرد على موقفه من قضية أحاديث الآحاد
أما موقف منكري الاستدلال بأحاديث الآحاد فهو موقف مخالف لنصوص الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة من أوجه:
1 -القول بِأَن حديث الآحاد لا يفيد إلا الظن ليس على إطلاقه، بل في أخبار الآحاد ما يفيد اليقين إذا دلت القرائن على صِدْقه، كما إذا تلقته الأمة بالقبول، مثل حديث عمر بين الخطاب - رضي الله عنهم:"إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"فإنه خبر آحاد، ومع ذلك فإننا نعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله، وهذا ما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن حجر وغيرهما.
2 -أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرسل الآحاد بأصول العقيدة ـ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ـ وإرساله حُجَّة مُلْزِمة، كما بعث مُعَاذًا إلى اليمن، واعتبر بَعْثَه حُجَّةً مُلْزِمَةً لأهل اليمن بقبوله.
3 -إذا قلنا بأن العقيدة لا تثبت بأخبار الآحاد، أمكن أن يُقال: والأحكام العملية لا تثبت بأخبار الآحاد، لأن الأحكام العملية يصحبها عقيدة أن الله تعالى أمر بهذا أو نهى عن هذا، وإذا قُبل هذا القول تعطَل كثير من أحكام الشريعة، وإذا رُدّ هذا القول فليردّ القول بأن العقيدة لا تثبت بخبر الآحاد إذ لا فرق كما بيّنا.
والحاصل: أن خبر الآحاد إذا دلت القرائن على صِدْقه أفاد العلمَ، وثبت به الأحكام العَملية والعِلمية، ولا دليل على التفريق بينهما، ومَنْ نَسَبَ إلى أحدٍ من الأئمِة التفريقَ بينهما فعليه إثباتُ ذلك بالسند الصحيح عنه.
(1) - جناية قبيلة حدثنا (44)
(2) - جناية قبيلة حدثنا (45)