ثم بيان دليله المستَند إليه
4 -أن الله تعالى أمر بالرجوع إلى قول أهل العلم لمن كان جاهلًا فيما هو من أعظم مسائل العقيدة فقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ) النحل (43 - 44)
5 -أن الله تعالى أمر بالتثبت من خبر الفاسق دون العدل الضابط بقوله:"أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا" (الحجرات:6) ، فهذا يدل على الجزم بقبول خبر الواحد العدل الضابط.
6 -استحالة التواتر في كل خبر بنص القرآن في قوله تعالى:"وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ" (التوبة:122) ، والطائفة تقع على الواحد فما فوقه فأخبر أن الطائفة تنذر قومهم إذا رجعوا إليهم والإنذار الإعلام بما يفيد العلم.
7 -قوله تعالى:"وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ" (الإسراء:36) ، أي: لا تتبعه ولا تعمل به ولم يزل المسلمون من عهد الصحابة يقفون أخبار الآحاد ويعملون بها ويثبتون لله تعالى بها الصفات فلو كانت لا تفيد علمًا لكان الصحابة والتابعون وتابعوهم وأئمة الإسلام كلهم قد قفوا ما ليس لهم به علم.
8 -أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أُمِرَ بالتبليغ، وقال لأصحابه في الجمع الأعظم يوم عرفة:"أنتم مسئولون عني فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت"، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه بالبلاغ بقوله:"بلغوا عني ولو آية"، ولا شك أن هذا البلاغ لا يكون إلا في صورة آحاد.
فكل ما قيل في حديث الآحاد محض تشغيب، فإنه ما من ممارس للشعائر إلا وقد تيقن من ثبوت الحكم بأحد طرق حصول العلم، لا فرق بين الآحاد أو المتواتر أو المشهور، ولو كان هذا الفرق موجودا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لما استجاب الصحابة في وسط الصلاة لخبر آحاد، فيغيروا القبلة، فالتمميز بين الاعتقاد والعمل أيضا من الشغب.
ولا يعيب ذلك أنه بعد أن ثبت لديك دليل، ثم اجتهدت فرأيت خلافه، أو رأيته منسوخا أو ضعيفا أن يكون ما كنت فيه يقينا، وإنما علم، لأنك لا تعمل وأنت مذبب في وجهتك ورأيك، فما بالك في دينك.
أما البغدادي فيفرق بين المتواتر والمشهور والآحاد على ثلاثة مراتب [1] : المتواتر: يفيد العلم الاضطراري، المشهور: يفيد العلم المكتسب النظري، الآحاد: يفيد العلم دون العمل.
ويقول الجصاص أن ما تلقاه الناس بالقبول من أخبار الآحاد له حكم التواتر، لذا فهو يفيد العلم ويجوز تخصيص القرآن به [2] ، وقد ذكر في مقام آخر وجوب قبول حديث الآحاد وأنه يفيد العلم وجواز نسخ القرآن به. [3]
(1) -الفرق بين الفرق (313)
(2) -الفصول في الأصول (1/ 174)
(3) -الفصول في الأصول (2/ 360)