وهنا نقول: أن العلم ليس الأخذ بالأحوط، وطرح الأدلة، وإنما جمع الأدلة أولا، فإن تعثر وجب الترجيح بطرح أحدهما عند تعثر الجمع.
كذلك، لا يجوز أن نقبل أن يقال أنه لا يوجد في القرآن حدا للردة، إذ أن الشريعة الإسلامية لا تعتمد على القرآن فحسب، فعدد الصلوات والركعات وكيفيات الأحكام والميراث ثابتة بالسنة دون الكتاب.
ثانيا: قوله أن الإمام مسلم قد رفض حديث"من بدل دينه فاقتلوه"لا أعلمه عن الإمام مسلم، وإن سلمنا بذلك، فإن الحديث قد روي في غالب مصنفات أهل السنة، فرواه الإمام البخاري (6922) ، وابن ماجه (2535) ، وأبو داود (4351) ، والترمذي (1458) ، والنسائي (4060) ، وابن حبان (4475) ، والمعجم الكبير للطبراني (10638) ، وسنن الدارقطني (1013) ، والسنن الصغرى للبيهقي (3165) ، وغيرها من الكتب، فلا أدري لماذا يقف الأستاذ البنا عند عدم تخريج الإمام مسلم للحديث، رغم أنه قد خرجه من هو أعلى منه مرتبة كالإمام البخاري، وذكره غالب أئمة السنة، فادعاء الإنكار وتجاهل تخريج الأئمة لحديث ليس من سبل البحث العلمي والتريث في الأحكام، وإنما بل هو من التعصب المذموم.
يقول الأستاذ البنا:"وأن الاختلاف والتعددية كلها مما أراده الله ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة وذكر الردة مرارا وبشكل صريح دون أن يفرض عقوبة دنيوية عليها وأكد مرارا أنه هو الذي يفصل يوم القيامة فيما فيه يختلفون" [1]
الرد:
هذا من الجهل بالفارق بين الإرادة الكونية والشرعية، فالإرادة الشرعية هي ما تدل على ما يحبه الله ويرضاه، والله يحب الاجتماع والاعتصام بالحق، وينهي عن الفرقة، قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} آل عمران (103 - 104) .
ويقول جل وعلا في أن الاختلاف ليس رحمة: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 118، 119] ، فأهل الاختلاف والشقاق ليسوا أهل الرحمة، وأهل الرحمة هم أصحاب الدين الصحيح، لذلك ذهب ابن أبي زمنين في تفسيره إلى أن أهل الاختلاف المذكورين في الآية هم الكفار [2] ، وذكر ابن كثير عن عكرمة أن
(1) - حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام (17
(2) -تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (2/ 313)