وذلك بخلاف الاجتهاد، حتى لو كان الخلاف في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فطالما أن الأمر يمس دين الله، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو ما يقتضيه المقام، وليس التسامح المزعوم، وإلا ضاع دين الله، فقد روى الإمام البخاري شدة عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم بن حزام حينما كان يقرأ سورة الفرقان على غير ما فرأها عمر - رضي الله عنهم -،فما كان منه إلا أن أمسك به وأخذه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليعرض القراءتين عليه، فأقرهما النبي - صلى الله عليه وسلم - على القراءتين [1] .
6 -هجر الصحابة لمخالفي الكتاب والسنة، فقد روى الإمام البخاري من حديث عبد الله بن مغفل:"أنه رأى رجلا يخذف، فقال له: لا تخذف، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الخذف، أو كان يكره الخذف وقال: «إنه لا يصاد به صيد ولا ينكى به عدو، ولكنها قد تكسر السن، وتفقأ العين» ثم رآه بعد ذلك يخذف، فقال له: أحدثك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الخذف أو كره الخذف، وأنت تخذف لا أكلمك كذا وكذا" [2] .
7 -أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بهجر المبتدعة، وقد نص النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث على القدرية فقال:"الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ: إِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ" [3]
8 -أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بهجر المخالفين، فقد روى الإمام البخاري في قصة الثلاثة الذين خلفوا من حديث كعب بن مالك أنه قال:"ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كلامي، وكلام صاحبي، ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا، فاجتنب الناس كلامنا، فلبثت كذلك حتى طال علي الأمر، وما من شيء أهم إلي من أن أموت فلا يصلي علي النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو يموت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم، ولا يصلي ولا يسلم علي" [4]
والخلاصة، أنه لا يجوز إطلاق القول أن السلف كانوا يتسامحون مع المخالفين، دون تفصيل لمعنى المخالفة، من كونها داخلة في أمور الاجتهاد المعتبر، أم في أمور الاجتهاد غير المعتبر لعدم تحمل الأدلة لها، والتسامح لا يكون في أمور الدين، لأنه لا يملك أحد أن يتسامح فيه لأنه ليس حكم عليه، بل هوالحكم على الجميع، ومن يفتح هذا الباب فهة يفتح باب تمييع الدين ومسخه ومن ثم هدمه، ولم يكتفوا في هذا التسامح بالفرق المنتسبة للإسلام، بل تعداها للملل والنحل الغير مسلمة من الأديان السماوية والوضعية، فصار المسلمون يتنازلون عن شريعة شريعة من شرائع الإسلام حتى يقبل الغرب ويصفهم بالتسامح، فكل شريعة طعنوا فيها نفاها هؤلاء المنتسبون للإسلام، كقتل المرتد، والحرية الدينية لأهل الأديان الأخرى، وحقوقهم في الرئاسة للدولة المسلمة،
(1) -صحيح البخاري = الجامع الصحيح (5041)
(2) -صحيح البخاري = الجامع الصحيح (5479)
(3) -رواه الإمام أبو داود في سننه من حديث ابن عمر برقم (4691) ، وحسنه الألباني
(4) -صحيح البخاري = الجامع الصحيح (4677)