إن التسامح في اللغة هو احترام عقائد الآخرين [1] ، وليس المراد من ذلك اعتناقها، أو القبول بها، أو إرغامهم على تركها.
والذي يتقرر: أنه أداء ما أوجبه الشرع لهم من حقوق، فهذا هو التسامح الشرعي، وينبغي مراعاة عدم التقصير في جوانب أخرى.
أما إن كان المراد عذرهم وعدم الإنكار عليهم أو الحكم عليهم بما يستحقون، وإقامة الواجب الشرعي عليهم من قتال أو قتل إن قضى الشرع ذلك فيهم، فهذا غير مقبول، ذلك أن العبرة بالشرع، وليس بالأهواء، والقرآن والسنة ينفيان هذا الموقف الذي يحاول الأستاذ البنا نسبته إلى التسامح، وذلك من عدة أوجه نوجزها فيما يلي:
1 -إثبات أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه سبب خيرية هذه الأمة، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نوع من النقد والإصلاح الذاتي، وتركهما يؤدي إلى فساد الأمة، فالثمرة الخبيثة تعدي الثمرة الطيبة، قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} آل عمران (110) .
2 -لعن تاركي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} المائدة (78 - 79) ، {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} البقرة (159) .
3 -إثبات القرآن لهجر أهل الأهواء، ومباينتهم وعدم الجلوس معهم، قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} الفرقان (72، 73) ، وقال جل وعلا:"وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا النساء (140) ."
4 -تحذير النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل الأهواء والأمر بالحذر منهم، فقد روى الإمام البخاري من حديث عائشة - رضي الله عنهم - أنها قالت:"تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية: {هو الذي أنزل عليك الكتاب، منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات} ، ثم قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» " [2] .
5 -أن الصحابة رضوانا لله عليهم قد فهموا أنه لا يجوز التسامح في المخالفات الصريحة لنصوص الوحي،
(1) -معجم اللغة العربية المعاصرة (2/ 1104)
(2) - صحيح البخاري = الجامع الصحيح (4547)