فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 52

حديث عبد الله بن عبد القاري عن أبيه أنه قال:"قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ. فَسَأَلَهُ عَنِ النَّاسِ، فَأَخْبَرَهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلْ كَانَ فِيكُمْ مِنْ مُغَرِّبَةِ خَبَرٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، قَالَ: فَمَا فَعَلْتُمْ بِهِ؟ قَالَ: قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: «أَفَلَا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا، وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا، وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ، وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ» ؟ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحْضُرْ، وَلَمْ آمُرْ، وَلَمْ أَرْضَ إِذْ بَلَغَنِي» " [1] ، فهو معترف بحد الردة، منكر لعدم الاستتابة، مع أن الرجل لم يكن له ما يوجب قتله سوى هذا الأمر، إذ لا استتابة في الحدود، وإلا لما أنكر عليهم عمر - رضي الله عنهم -.

د أن حد الردة من باب حفظ الأصل الأول من الضروريات الخمس، ألا وهو الدين، من كيد الكائدين الذين يريدون التلاعب بهذا الدين، والذين كانوا يحاولون صد المؤمنين عن دينهم بقولهم: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72]

حادي عشر: قوله أن مسألة الردة صناعة فقهية سياسية

ومن اتهاماته للعلماء أنه يقول أنها صناعة فقهية لخدمة الدولة الأموية، وبداية الدولة العباسية لإدانة الخارجين عليهم، فيقول:"عندما احتدمت العداوات السياسية والخلافات المذهبية وهددت وحدة الأمة وكيانها، عندئذ وقف الفقهاء موقف حماة القانون والنظام والسلطة، وكأن المناخ أملى عليهم أن يبتروا من المجتمع كل خارج عليه ... وتوصلوا بحكم الصناعة الفقهية إلى إضافتيين: الأولى إبداع صيغة من جحد معلوما من الدين بالضرورة، بحيث تتسع للجميع، والثانية فكرة الاستتابة" [2]

قلت: فكأنما الفقهاء رجال سلطة يطلبون الدنيا، ولم يدر أن التصنيف في الردة قد سبق ذلك بكثير، فالقرآن قد أثبت الردة، والعلماء ضبطوا الردة بمسائل الكفر والإيمان مما نص عليه القرآن، وبما هو معلوم من الدين بالضرورة، والمعلوم من الدين بالضرورة ليست قاعدة فضفاضة، وإنما قاعدة منضبطة تشمل ما اشتهر من أحكام الدين في هذا الزمان والمكان، ثم تأتي مرحلة إقامة الحجة على المكلف الذي أتى ناقضا من نواقض الإسلام، ولو كان الأمر سياسيا محضا لما حصلت له استتابة.

وحد الردة يضمن حرية من يدخل في الإسلام دون هوى، فليس دخوله إلا عن قناعة أنه لن يخرج منه، ليس لمال، أو جاه، أو ليطعن فيه من الداخل ويشكك أهله ثم يخرج، فمن لم يرد هذا الدين بشروطه بعدما يعرف أنه الحق، فإنه ليس بملزم على الدخول فيه، وهذا ما قال الله جل وعلا فيه: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72] ، يقول الإمام الطبري في تفسير هذه الآية:"حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة"

(1) -أخرجه الإمام مالك برقم (15)

(2) -ص حرية الاعتقاد والفكر في الإسلام (49 - 50)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت