المرحومين هم أتباع الرسل [1] .
كما نقول: لو كان الاختلاف رحمة، فماذا يعد الاتفاق والاجتماع الذي أمر الله جل وعلا به بقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} العمران (103) ، وقد قال الإمام ابن حزم في ذلك:"وقد غلط قوم فقالوا الاختلاف رحمة واحتجوا بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"قال أبو محمد وهذا من أفسد قول يكون لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطا هذا ما لا يقوله مسلم لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف وليس إلا رحمة أو سخط وأما الحديث المذكور فباطل مكذوب من توليد أهل الفسق" [2] .
كما أن العقلاء لا يتصورون أن الاختلاف والشقاق رحمة، والخلاف الذي فيه رحمة ما يتحمل فيه الدليل التأويل، ويعين على المجتهدين والعاملين رؤية الأوجه المختلفة وعدم الإلزام ابتداء بقول واحد، فمن خالف الحق باجتهاد فهو معذور له أجر واحد، وليس المراد قبول كل اختلاف.
والاحتجاج بحديث:"اختلاف أمتى رحمة"فهو من الأحاديث الموضوعة التي يردها أدلة الاعتصام وعدم التفرق.
وقال الشيخ الألباني في حكمه على الحديث:"لا أصل له"، وأشار إلى قول ابن حزم السابق ذكره، وأنه قال في هذا الحديث أنه باطل مكذوب [3] .
وقد قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} النساء (82) ، وهذا دليل على أن الاختلاف ليس من عند الله، فكيف يسوغ إذن جعل الاختلاف سنة متبعة ورحمة منزلة؟! [4]
والله جل وعلا يحذر من الخلاف المؤدي إلا التنازع فيقول: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} الأنفال (46)
ويقول الإمام الزركشي نقلا عن الإمام الْمُزَنِيّ أن الله قَدْ ذَمَّ الِاخْتِلَافَ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ، وَلَوْ كَانَ التَّنَازُعُ مِنْ حُكْمِهِ مَا رَدَّهُ إلَى كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَلَا أَمَرَ بِإِمْضَاءِ الِاخْتِلَافِ وَالتَّنَازُعِ عَلَى مَا هُمَا بِهِ، وَمَا حَذَّرَ رَسُولُ اللَّهِ أُمَّتَهُ مِنْ الْفُرْقَةِ وَأَمَرَهَا بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ، ثم قَالَ الإمام الزركشي أنه َلَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ رَحْمَةً، لَكَانَ الِاجْتِمَاعُ عَذَابًا؛ لِأَنَّ الْعَذَابَ خِلَافُ الرَّحْمَةِ [5] .
(1) -تفسير ابن كثير (4/ 361)
(2) -الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (5/ 64)
(3) -انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (1/ 141)
(4) - انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (1/ 142)
(5) - انظر البحر المحيط في أصول الفقه (6/ 527)