وبسنده عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت يارسول الله: إن البكر تستحيي، قال رضاها صمتها. قال الحافظ: وخص بعض الشافعية الاكتفاء بسكوت البكر البالغ بالنسبة إلى الأب والجد دون غيرهما، لأنها تستحي منهما أكثر من غيرهما. والصحيح الذي عليه الجمهور استعمال الحديث في جميع الأبكار بالنسبة لجميع الأولياء واختلفوا في الأب يزوج البالغ بغير إذنها فقال الأوزاعي والثوري والحنفية ووافقهم أبو ثور: يشترط استئذانها فلو عقد عليها بغير استئذان لم يصح: وقال الآخرون: يجوز للأب أن يزوجها ولو كانت بالغا بغير استئذان وهو قول: ابن أبي ليلى ومالك والليث والشافعي وأحمد وإسحاق.
قال البخاري: باب إذا زوج الرجل ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود. قال الحافظ: هكذا أطلق فشمل البكر والثيب. لكن حديث الباب مصرح فيه بالثيوبة فكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه كما سأبينه.
قال البخاري بسنده: عن خنساء بنت خدام الأنصارية أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها. وذكر الحافظ أن لقصة خنساء طريقا أخرى أخرجها الدارقطني والطبراني من طريق هشيم عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة أن خنساء بنت خدام زوجها أبوها وهي كارهة فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها ولم يذكر فيه بكرًا ولا ثيبًا [1] .
وقال الحافظ بن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد في ذكر أقضيته وأحكامه صلى الله عليه وسلم في النكاح وتوابعه: (فصل، حكمه صلى الله عليه وسلم في الثيب والبكر يزوجهما أبوهما، ثبت عنه في الصحيحين أن خنساء بنت خدام زوجها أبوها وهي كارهة وكانت ثيبا فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها. وفي السنن من حديث ابن عباس أن جارية بكرا أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه غير خنساء. فهما قضيتان قضى في إحداهما بتخيير الثيب وقضى في الأخرى بتخيير البكر. وثبت عنه في الصحيح أنه قال: لا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا يارسول الله وكيف إذنها؟ قال أن تسكت. وفي صحيح مسلم: البكر تستأذن في نفسها وإذنها صمتها. وموجب هذا الحكم أنه لا تجبر البكر البالغ على النكاح ولا تزوج إلا برضاها، وهذا قول جمهور السلف ومذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات عنه. وهو القول الذي ندين الله به ولا نعتقد سواه وهو الموافق لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره ونهيه وقواعد شريعته ومصالح أمته.
أما موافقته لحكمه فإنه حكم بتخيير البكر الكارهة. إلى أن قال: وأما موافقة هذا القول لأمره فإنه قال والبكر تستأذن وهذا أمر مؤكد لأنه ورد بصيغة الخبر الدال على تحقق المخبر به وثبوته ولزومه والأصل في أوامره أن تكون للوجوب ما لم يقم إجماع على خلافه وأما موافقته لنهيه فلقوله لا تنكح البكر حتى تستأذن فأمر ونهى وحكم بالتخيير وهذا إثبات للحكم بأبلغ الطرق وأما موافقته لقواعد شرعه فإن البكر البالغة العاقلة الرشيدة لا يتصرف أبوها في أقل شيء من ملكها إلا برضاها ولا يجبرها على إخراج اليسير منه بدون رضاها، فكيف يجوز أن يرقها ويخرج بضعها منها بغير رضاها إلى من يريده وهي من أكره الناس فيه وهو من أبغض شيء إليها فينكحها إياه قهرا بغير رضاها إلى من يريده ويجعلها أسيرة عنده كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: فإنهن عوان عندكم أي أسرى، ومعلوم أن إخراح مالها كله بغير رضاها أسهل عليها من تزويجها بمن لا تختاره بغير رضاها ولقد أبطل من قال إنها إذا عينت كفؤا تحبه وعين أبوها كفؤا فالعبرة بتعيينه ولو كان بغيضًا لها قبيح الخلقة.
(1) ـ انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري كتاب النكاح باب 41 - وباب 42 ج التاسع ص 232 فما بعدها عن الطبعة التي حقق أصلها عبد العزيز بن باز ورقم كتابها وأبوابها وأحاديثها محمد فؤاد عبد الباقي دار الحديث القاهرة