فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 49

وأما موافقته لمصالح الأمة فلا يخفى مصلحة الثيب في تزويجها بمن تختاره وترضاه وحصول مقاصد النكاح لها بذلك، وحصول ضد ذلك بمن تبغضه وتنفر عنه فلو لم تأت السنة الصريحة بهذا القول لكان القياس الصحيح وقواعد الشريعة لا تقتضي غيره وبالله التوفيق.

وقد ناقش ابن القيم رحمه الله مَن فرق بين الثيب والبكر وأبطل مستندهم، ثم ذكر أقوال الفقهاء في مناط الإجبار فقال: (وقد اختلف الفقهاء في مناط الإجبار على ستة أقوال. أحدها أنه يجبر بالبكارة وهو قول الشافعي ومالك وأحمد في رواية، الثاني أنه يجبر بالصغر وهو قول أبي حنيفة وأحمد في الرواية الثانية، الثالث أنه يجبر بهما معا وهو الرواية الثالثة عن أحمد. الرابع أنه يجبر بأيهما وجد، وهو الرواية الرابعة عنه، الخامس أنه يجبر بالإيلاد فتجبر الثيب البالغ. حكاه القاضي إسماعيل عن الحسن البصري قال وهو خلاف الإجماع، قال وله وجه حسن من الفقه فيا ليت شعري ما هذا الوجه الأسود المظلم، السادس أنه يجبر من يكون في عياله. ولا يخفى عليك الراجح من هذه المذاهب [1] .

وفي شرح السنة للبغوي عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الايم أحق بنفسها من وليها و البكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها، هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك وأخرجه من رواية أبي هريرة، وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البكر تستأذن قلت إن البكر تستحي قال: إذنها صماتها. هذا حديث صحيح.

قال الإمام: اتفق أهل العلم على أن تزويج الثيب البالغة العاقلة لا يجوز دون إذنها، فإن زوجها وليها دون إذنها فالنكاح مردود، فأما البكر البالغة العاقلة إذا زوجها وليها قبل الاستئذان فاختلف أهل العلم فيه فذهب قوم إلى أن النكاح مردود لقوله صلى الله عليه وسلم: والبكر تستأذن، وإليه ذهب الأوزاعي وسفيان الثوري وأصحاب الرأي. وذهب جماعة إلى أنه إن زوجها أبوها أو جدها من غير استئذان فجائز. يروى ذلك عن القاسم بن محمد وسليمان بن يسار وسالم بن عبد الله. وإليه ذهب مالك وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وإسحاق وقالوا معنى قوله: والبكر تستأذن هو على استطابة النفس.

ونقل محققه شعيب الأرناؤوط عن ابن التركماني في الجوهر النقي قال: (قوله صلى الله عليه وسلم: لا تنكح البكر حتى تستأذن. دليل على أن البكر البالغة لا يجبرها أبوها ولا غيره [2] .

قال شارح العمدة أي عمدة الأحكام: وهو مذهب أبي حنيفة وتمسكه بالحديث قوي؛ لأنه أقرب إلى العموم في لفظ البكر. وربما يزاد على ذلك بأن يقال: الاستئذان إنما يكون في حق من له إذن ولا إذن للصغيرة فلا تكون داخلة تحت الإرادة.

ويختص الحديث بالبالغات فيكون أقرب إلى التناول أو التاويل. إلى آخر ما ذكره في تأييد هذا القول [3] .

وقال العلامة صديق بن حسن القنوجي البخاري:"عند قول المصنف وتخطب الكبيرة إلى نفسها"(والمعتبر حصول الرضا منها. لحديث ابن عباس وغيره: الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وعائشة نحوه.

(1) ـ انظر زاد المعاد المجلد الثاني ج الرابع ص 2 - 3 الطبعة الثانية 2 و 13 ه 72 و 1 م دار الفكر

(2) ـ انظر: الجوهر النقي 7/ 114.

(3) ـ انظر: شرح السنة للبغوي ج التاسع حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه شعيب الأرناؤوط. المكتب الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت