وفي المدونة الكبرى: قلت أرأيت البكر إذا خطبت إلى أبيها فامتنع الأب من إنكاحها أول ما خطبت إليه وقالت الجارية وهي بالغة زوجني فأنا أحب الرجال ورفعت أمرها إلى السلطان أيكون رد الأب الخاطب الأول إعضالا لها؛ وترى للسلطان أن يزوجها إذا أبى الأب؟ قال لم أسمع من مالك فيه شيئا إلا أني أرى إن عرف عضل الأب إياها وضرورته إياها لذلك؛ ولم يكن منعه ذلك نظرا لها رأيت للسلطان إن قامت الجارية بذلك وطلبت نكاحه أن يزوجها السلطان إذا علم أن الأب إنما هو مضار في رده وليس بناظر لها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لاضرر ولاضرار) وإن لم يعرف فيه ضررا لم يهجم السلطان على ابنته في إنكاحها حتى يتبين له الضرر.
قلت: أرأيت البكر إذا رد الأب عنها خاطبا واحدا أو خاطبين وقالت الجارية في أول من خطبها للأب زوجني فإني أريد الرجال وأبى الأب. أيكون الأب في أول خاطب رد عنها معضلا لها؟ قال: أرى أنه ليس يكره الآباء على إنكاح بناتهم الأبكار إلا أن يكون مضارا أو معضلا لها؛ فإن عرف ذلك منه وأرادت الجارية النكاح فإن السلطان يقول له إما أن تزوج وإما زوجتها عليك. قلت: وليس في هذا عندك حد في قول مالك في رد الأب عنها الخاطب الواحد أو الاثنين؟ قال: لانعرف من قول مالك في هذا حدا إلا أن تعرف ضرورته وإعضاله [1] .
ونخلص مما سبق إلى القول بأن العضل منهي عنه لما روى معقل بن يسار رضي الله عنه قال: زوجتُ أختًا لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها فقلت له زوجتك وفرشتك وأكرمتك فطلقتها ثم جئت تخطبها لا والله لا تعود إليك أبدا وكان رجلا لا بأس به وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فأنزل الله تعالى هذه الآية: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) [2] . فقلت الآن أفعل يا رسول الله قال فزوجها إياه، الحديث أخرجه البخاري في تفسير سورة البقرة باب (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) .... وفي النكاح باب من قال لا نكاح إلا بولي. وفي الطلاق باب وبعولتهن أحق بردهن في العدة.
وبهذا حرم على الأولياء أن يمنعوا الفتاة من الزواج ممن ترغب فيه إذا كان كفؤًا؛ فإذا منعوها انتقلت الولاية من الولي الذي منعها إما إلى ولي أبعد منه على قول. وإما إلى القاضي على قول آخر.
جاء في النوازل الكبرى للمهدي الوزاني: وسئل أبو عبد الله السرقسطي عمن حلف ألا يزوج ابنته البكر هل تنتقل ولايتها للقاضي أو لأقرب أوليائها بعد الأب ويجب استئمارها فأجاب: إن لم يحنث الأب نفسه وامتنع من تزويج ابنته ممن هو كفء لها ووافق على كفاءته ورضيه لابنته وثبت ذلك عند القاضي. ورفعت البنت أمرها إليه فاختلف في من يلي العقد عليها قيل القاضي. وقيل أقرب أوليائها إليها نسبا؛ ولا بد من استئذانها وإذنها بالقول؛ وإن قدم القاضي وليا عقد نكاحها كان صوابا إن شاء الله [3] .
وسئل ابن هلال فأجاب: إذا أثبت الخاطب ببينة عادلة أنه كفء للمخطوبة أمر وليها بإنكاحها فإن أبى وعجز عن الدفع في شهود الكفاءة زوجها الشرع منه برضاها.
(1) ـ انظر: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون عن ابن القاسم ج 2 ص 145 دار الفكر.
(2) ـ سورة البقرة آية.232
(3) ـ انظر: النوازل الكبرى 3/ 242