عَمَلُ المَرْأَةِ فِي مِيْزَانِ الشَّرِيْعَةِ الإِسْلامِيَّة
تَأْلِيفُ
عماد حسن أبو العينين
إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدّهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أمَّا بَعْد،،،
فإن موضوع عمل المرأة ومشاركتها للرجل في حياته العامة موضوع أثار كثيرًا من الجدل ولا يزال، والدُّعاة إلَى خروج المرأة من بيتها ومشاطرتِهَا للرجل في أعماله ينظرون في ذلك إلى ما حققه الغرب في هذا المجال، ويريدون تقليده، ويزعمون أن ذلك ضرورة من ضرورات الحضارة ولازمة من لوازم التَّمديُنِ.
وهذه القَضِيَّةُ -عمل المرأة وخروجها من كِنّها وقرارها- لا تزال هي الشغل الشاغل لأجهزة الأعلام المستجيبة لدعوات يهود وتخطيط يهود، كما نصَّتْ بروتوكولات حكماء صُهْيُون.
والله-سبحانه وتعالى-يخاطب نساء النَّبِيِّ ونساء المؤمنين بقوله: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب 33] وأجهزة الإعلام في البلاد العربية والإسلامية تخاطب النساء صَبَاحَ مَسَاءَ: أخرجن من بيوتكن واسرحن في الشوارع والمعامل والمصانع والمكاتب والمتاجر ونافسن الرجال بالمناكب والأقدام، واختلطن بِهِم ما وسعكُنَّ الاختلاط.
ومن هؤلاء من يخفي أغراضه الخبيثة تحت شعارات التقدم والحرية، ومنهم من يعرضها صريحة فاجرة داعرة.
وقد حصلت المرأة في الغرب على حريتها، فماذا كانت النتيجة؟! دمار ودمار، ملايين من حالات الإجهاض سنويًّا، وملايين الأطفال من السِّفَاح، وملايين حالات الطلاق.
كل هذا رغم انتشار وسائل منع الحمل، وتدريسها في الجامعات والمدارس من الابتدائية إلى الثانوية.
إن الإسلام لا يمنع المرأة أن تعمل بل يحثها على العمل في بيتها؛ إذ أن البيت وتربية الأطفال هي وظيفة المرأة الأولى، والعمل خارج المنزل هو للضرورة فقط، فإذا انتفت الضرورة كانت القاعدة الأساسية هي قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأحزاب 33]
وإذا اضطرت المرأة للخروج والعمل وكانت بعيدة كل البعد عن الاختلاط بالرجال الأجانب زاد غضب دعاة حرية المرأة وحنقهم عليها؛ فهم يريدونَهَا مُتبرِّجة سافرة.
فشتان ما بين دعوة الإسلام ودعوة الجاهليَّة، وشتَّان مابين الطُّهْرِ والعَفَافِ الذي يدعو إليه الإسلام وبين العُهْرِ والفُجُور الذي يدعو إليه المحرضون على النساء.
وأيُّ احتقار للمرأة من نظرة هؤلاء الذين لا يرون فيها إلا شهوةً، إنَّهُم ينسون دور المرأة العظيم كَرَبَّةِ بَيْتٍ وأُمِّ أولاد، وعقيلة أسرة، ينسون دورها العظيم الذي وصفه لنا القرآن الكريم؛ حيث قال تعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان 14] ، {وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف 15] .
وينسون أن المرأة في العالم الإسلامي تعمل لَيْلَ نَهَار، وأنَّها ليست فارغة كما يزعمون؛ فالمرأة في بلادنا الإسلامية -وَخَاصَّةً فِي أرياف تِلْكُمُ البلادِ- تعمل عملًا شاقًّا، فهي تطبخ في البيت، وهي تربي الأطفال، وهي تجمع الحطب من الوديان، وهي تحمل جرار الماء على كتفها كلَّ صباح، ثم هي تذهب بعد ذلك إلى الحقل تحمل الطعام لزوجها وبنيها وتساعدهم ما استطاعت في عملهم، وهي راعية ترعى الأغنام، وهي تعلف الأبقار، وهي تغذي الصغار والكبار، وهي تغزل وتنسج، وهي تداوي وتمرض، وهي .... ، وهي (الخ) .
ومع هذا فلا يرتاح المنادون بعمل المرأة وحرية المرأة لكل هذه الأعمال الجليلة التي تقوم بِهَا المرأة فعلًا؛ لأنَّ غرضهم الحقيقي ليس عمل المرأة ولا إنتاجها، بل غرضهم الحقيقي هو طهرها، وعفافها ودينها.
إن وجود المرأة في الحياة العامة مأساة عظيمة، بدأ الغرب يصحو على آثارها المريرة ونحن وراءهم لاهثون، وخلفهم راكضون حتى لو دخلوا جحر ضب جرينا خلفهم ندخله، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يقول (1) : «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَال: َ فَمَنْ» .
نعم صدق المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ما فعل اليهود والنصارى قبيحًا إلا فعلناه، ولا دخلوا جحر ضب إلا دخلناه.
(1) صحيح): البخارى 7320، مسلم 2669، من حديث أبى سعيد الخدرى.