وفي هذا الحديث نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم النِّساء أنْ تَسِرْنَ في وسط الطَّريق بحيث يختلطن بالرجال بل عليهن تجنُّبُ هذا الاختلاط بالسَّير في حواف الطُّرقاتِ، وهذا دليلٌ على تحريم اختلاط النِّساء بالرِّجال الأجانبِ؛ لأنَّ ذلك هو حقيقة النَّهي.
منَ المضْحِكَاتِ المبْكِيَاتِ أنَّ بلادَنَا تُعَانِي من بطالةٍ حقيقيَّةٍ ومُقَنَّعَةٍ، وهناكَ الملايين منَ الرِّجال الذين يبحثُون عن عملٍ فلا يجدُونَهُ، ومع هذا تُقَامُ حملات إعلاميَّة ضخمة تتحدَّثُ عن نصف الأُمَّةِ المشلُول، ونصف الأُمَّة المسجُون، ونصف الأُمَّة المعطَّل عن الإنتاج، ويطالبُون بإخراج المرأة إلى ميادين العمل والإنتاج! ولا إنتَاجَ هُنَاكَ.
وتخرجُ المرأةُ ويتوقَّفُ عملُهَا في بيتها وحقلها ويتحطَّمُ نظامُ الأسرة وينتشر الاختلاط، وفِى دواوين العمل والمكاتِبِ يضيع الوقتُ في الثَّرثرَةِ ووضع المساحيق والنَّظَر في المرآة، وما زاد عن ذلك من وقت تزجيه في أعمال التِّريكُو.
وما تأخذه من دَرَاهِمَ قليلةٍ تنفقُهَا وأكثر منها في المواصلات وفي أدوات الزِّينة واللبَاس المناسب للخروج، وفي أُجْرَة الخادمَة، والمربيَّة للأطفال، وتكون النَّتيجة النّهائيَّة خسارة اقتصاديَّة فادحة.
فإن كانت المرأة لابُدَّ خارجة من بيتها تحت وطأة الحاجة كَمْ ذكرنَا آنِفًا، فما هِيَ مجالاتِ العَمَل المرفُوضة والمطلُوبة؟!
المجَالُ الأَوَّلُ
ليس منَ الضَّرورة أنْ تعمل المرأةُ مهندِسَةً معماريَّةً أو مدنيَّةً، فتصعدُ (السَّقَّالة) وتختلط بالعمال، وتعطِي لَهُمُ الأوَامرَ وتتولَّى الإشراف؛ لأنَّها في الغالب لا تستطيع، وإن استطاعت أَرْهَقَتْ نفسها، وزاحَمَتِ الرِّجَال أماكنَهُم المنَاسبَة، وما يترتَّبُ على ذلك من أضرار البطالة وما تجرُّهُ من أضرارِ الاختلاطِ وسائرِ الأضرارِ الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، وَقِسْ على هذا اللون: أعمال المناجم، وأعمال الحفر والتَّنقيب، ومجالات الصّناعة المحتاجة إلى الخشونة، أو التِي تفرض الاختلاط.
المجَالُ الثَّانِى
يجبُ أنْ لا تعمل سكرتيرةً خاصَّة أو عامَّة، ونقصدُ بالخاصَّة الأعمال الخاصَّة: التي يُدِيرُها أفرادٌ أو شركاتٌ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم (1) : «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» .
وعن عُمَرَ قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (2) : «لَا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَ» .
ونقصد بالعامّة: مجالات العمل الحكوميّ أو شبه الحكوميِّ.
ومهما قيلَ منْ نَجَاحِ المرأةِ في هذا المجال أكثرَ منْ نجاحِ الرجلِ، فنحسبُ أنَّ هذه دعاية مدرُوسَةٌ ومسمومَةٌ؛ لإشاعَةِ هذا اللونِ منَ العمَلِ؛ ليشيعَ نوعٌ أو أنواعٌ من الخلوات قد لا يتحقَّق في غيره، وليتحقق فيه مزيد من التَّعرُّف الذي يأتِي معه الإعجاب المتبادل الذي كثيرًا ما يجري التَّنفيس عنه في مجالات ليسَتْ بالحلال، كما أنّه كثيرًا ما يترتَّبُ عليه تصدُّع البناء الأُسَرِيِّ وإصابة العلاقات الزَّوجيَّة بالملل والفتُور، والبعد والنُّفُور، بالإضافة إلى ما تمليه علينا التَّجربة العالميَّة الإنسانيَّة في هذا المجال، وخاصَّةً في مجتمعاتٍ مفتوحَةٍ لا تعرف الحلال والحرام، بل يشرع فيها زواج الرَّجُلِ بِالرَّجُلِ وممارسة الجنس بأبشعِ أشكالِه البهيمِيَّة، ممَّا تتعرَّض له المرأة العاملة في هذه المجالات.
المجَالُ الثَّالِثُ
ليس من الضَّرورة على الإطلاق أن تعمل مذيعةً للإذَاعَةِ والتِّلْفَاز؛ فالعبْرَةُ هنَا بإيصال الكلمة إلى المستمِعِ أو المشَاهِدِ، وما عدا ذلك من أساليب الدِّعاية الماديَّة، حيث نرى أن المرأة اسْتُعْمِلَتْ كوسيلةٍ دعائيَّة يتاجرُ من خلالها بخدعة المستمع أو المشاهد، وهذه من المبادئ الرأسماليَّة، مما يوضِّحُ كل هذه الأُمُور التِي نقومُ بتقليدها دونَ استخلاصِ تجربةِ مَنْ سبَقَنَا؛ لاعتمادها الأوَّل على صوتِهَا، وفي الثَّانِي على صورتِهَا مع أنَّ صوتَهَا، ولسْنَا نَزْعُمُ أنَّ صوتَ المرأة عَوْرَةٌ، ولكن مع ما يجري في الإذاعة من مقابلات وضحكات يصِيرُ كذلك، وغَالبًا ما يصحبُهُ اللين أو الخضوع بالقَوْلِ، فيطمع الذي في قلبه مرض، وما أكثَرَهُم في هذه الأيَّام!!.
ومع الصُّورة يصير الأمرُ أشَدَّ، مع ما تعمد إليه الكثيرات في هذا المجال من تغيير خلق الله عن طريق ما عمَّتْ بهِ البَلْوَى من موضات المكيَاج وغيرِهِ.
(1) صحيح): رواه البخاري في كتاب الجهاد 3006، مسلم في الحج 1341، ابن ماجة في المناسك 2900، أحمد 1935.
(2) صحيح): رواه أحمد 115، الترمذى في كتاب الفتن 2165، ابن ماجة في الأحكام 2363، صحيح الجامع 2546.