نتيجة للعوامل السَّابقة تنخفض درجة حرارة الجسم ويبطئ النبض وينخفض ضغط الدم وتصاب كثير من النساء بالشُّعور بالدوخة والكسل والفتور.
ومن المعلوم أن الأعمال المجهدة والخروج خارج المنزل ومواجهة صعاب الحياة تحتاج إلى أعلى قدر من القوَّة والنَّشاط والطَّاقة، فكيف يتأتى للمرأة ذلك وهي تواجه كل شهر هذه التغييرات الفيسيولوجيَّة الطبيعيَّة التي تجعلها شبه مريضة، وفي أدنى حالاتِهَا الجسديَّة والفكريَّة.
ولو أصيب رجلٌ بنَزْفٍ يفقد فيه ربع لتر من دمه لَوَلْوَلَ ودَعَا بالويل والثُّبور وعظائم الأُمُور وطلب إجازة من عمله، فكيف بالمسكينة التي تنْزِف كل شهر ولا يتلفت إليها أحد.
وانظر إلى أثار رحمة الله بالمرأة، كيف خفف عنها واجباتِهَا أثناء الحيض فأعفاها من الصَّلاة ولَمْ يطالبها بقضائها، وأعفاها من الصَّوم وطالبها القضاء في أيام آخر وأعفاها من الاتصال جنسيًّا بزوجها وأخبرها وأخبر زوجها بأن الحيض أذًى وطلب منهما أن يعتزل كُل منهما الآخر في الحيض، قال تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة 222] .
لا تكاد الفتاة تتزوَّج حتَّى تنتظر اليوم الذي تحمل فيه بفارغ الصبر وتكاد تطير فرحًا عندما تعلم بأنَّها حاملٌ لأوَّل مَرَّة ومع هذه السَّعادة الغامرة تبدأ الآلام والأوجاع والوهن.
{وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان 14] .
{وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف 15] .
ينقلب كيان المرأة أثناء الحمل ويبدأ الحمل بالغثيان والقيء، وكثيرًا ما يكون ذلك شديدًا وخاصَّة في الأشهُرِ الأولى من الحمل، وتعطي الأُم جنينها كل ما يحتاج إليه من مواد غذائية مهضومة جاهزة حتى ولو كانت هي في أشدِّ الحاجة إليها، بل إن الأمر أبعد من ذلك، فإن الجنين يحصل على حاجاته من دم الأم ولو اضطرت الأم المسكينة أن تعطيه ما يحتاج إليه من عظامها؛ حتى لتصاب بلين العظام وتسوس الأسنان من جراء سحب الجنين للكالسيوم وفيتامين (د) من دم الأم وعظامها.
كما أن معظم الأمهات يصبن بفقر الدم أثناء الحمل وخاصة في النصف الثاني من مُدَّة الحمل؛ وذلك لانتقال المواد الهامة لصنع الدم من الأم إلى الجنين وسحبها من أماكن خزنِهَا في جسم الأم، وفقر الدم (الأنيميا) ينهك الأم وإذا زادت درجته فإنه يؤدِّي إلى هبوط القلب.
ليس هذا فحسب ولكن الجنين يسحب كل ما يحتاج إليه من مواد لبناء جسمه ونموه حتى ولو ترك الأم شبحًا هزيلًا، يعاني من لين العظام ونقص الفيتامينات في الدم، وهي تفعل ذلك راضية مختارة، كما تقوم الأم بأخذ جميع المواد السَّامة التي يفرزها جسم الجنين وتطردها بدلًا عنه.
ولا تكتفي الأم بكل هذا بل تعطي جنينها مواد المناعة ضد الأمراض وتمنع عنه المشيمة كل ما يضره من مواد موجودة في دم الأم ولا تسمح لها بالمرور إلى الجنين كما إنَّها تصد عنه دخول الميكروبات إلا فيما ندر.
وفي الحمل يتحمَّلُ القلب أضعاف ًاضعاف ما يتحمَّلُهُ قُبَيْلَ الحمل، فإنَّ عليه أن يقوم بدورتين دمويَّتين كاملتين: دورة للأُمِّ وأُخْرَى للجنين، ويتحمَّل تبعات هاتين الدَّورتَيْنِ، وتزداد كميَّة الدم التي يضخُّها قلب الأم إلى ما يزيد عن ضعفي ما يضخُّه يوميًّا.
وتزداد سرعة القلب ونبضاته، ويكبر حجمه قليلًا، وبامتلاء البطن ونموِّ الجنين يضغط الحجاب الحاجز على القلب والرِّئتين فيصبح التنفُّس أكثر صعوبة وتشكو الحامل من ضيق التنفُّس والنَّهجان وخاصَّة عندما تستلقي على ظهرها.
ويضغط الرَّحم على الأوردة العائدة من السَّاقين فتمتلئ هذه الأخيرة بالدِّماء وتنتفخ مسببة دوالي الساقين، كما تتورَّمُ القدمان قليلًا في أواخر الحمل.
ويصاب الجهاز الهضميُّ من أول الحمل فيكثر القيء وقلة الشَّهيَّة والغثيان، ثم بعد ذلك تزداد الحرقة واللذع والتهابات المعدة، كما تصاب الحامل في العادة بالإمساك وتضطرب الغدد الصَّمَّاء في وظائفها، وتصاب بعض النِّساء بتورُّم الغدد الدرقيَّة أثناء الحمل نتيجة نقص اليود.
وفي كثير من الأحيان يضاف إلى هذه المتاعب التهابات المجاري البوليَّة التِي تزداد زيادة كبيرة أثناء الحمل؛ مما يؤدِّي إلى فقدان البروتين (الزلال) من البول وتورُّم الأرجل والأقدام والوجه وارتفاع ضغط الدم، هذا الأخير يعتبر أهمَّ عامل في حدوث حالات تسمُّم الحمل الخطيرة.