وهذا الحديث يدل على جواز خروج المرأة لحضور عُرْسِ امرأة أخرى وزفافها إلى زوجها، فإن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قد أقرَّ عائشة رضي الله عنها ومن كان معها على حضور زفاف تلك المرأة إلى زوجها.
ومن المعقول؛ فإن عدم جواز خروج النساء لحاجتهن فيه مشقة عليهنَّ، والقاعدة القرآنية واضحة"وماجعل عليكم في الدِّين من حَرَجٍ".
والحاجة قد تكون شخصية، وقد تكون حاجة مجتمع، وفي كلا الحالتين يجوز الخروج للمرأة.
فقد تكون المرأة غير محتاجة للخروج للعمل لكن المجتمع بحاجة إلى خروجها لتعليم من يحتجن إلى تعليمها أو مداواة من يحتجن إلى مداواتِهَا أو نحو ذلك من حاجات المجتمع، فإن للمرأة الخروج لذلك كله.
وقد ذكر ابن القيم (1) : إ"نه يجوز لولي الأمر حمل أرباب الحرف والصناعات على العمل بأجر المثل إذا امتنعوا عن العمل، وكان في الناس حاجة إلى أعمالهم وصناعاتِهِم وحرفهم".
لابد للزوجة من إذن زوجها لخروجها إلى العمل المباح؛ لأنه مسئول عنها أمام الله تعالى، وكذلك فإن غير المتزوجة لابد لها من إذن وليها؛ لأنه راعٍ ومسئول عنها أمام الله تعالى.
وقد نصَّ الإمام الشافعيُّ على أن المرأة إذا استطاعت حج الفريضة فإنَّ لوليها أو زوجها منعها منه مالم تهل.
قال الشافعى (2) :"وإذا بلغت المرأة قادرة بنفسها ومالها على الحج فأراد وليها منعها من الحج أو أراده زوجها منعها منه ما لم تهل بالحج".
فإذا كان هذا في حج الفريضة، فكيف بالعمل المباح؟
ويستدل الفقهاء على اشتراط إذن الزوج أو الولي بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم 6] .
فقد أوجب الله-تبارك وتعالى-على المؤمنين حماية أنفسهم وأهليهم من نار جهنم، ولذا كان الزوج أو الولي قيمًا على من ولاه الله أمرهم وعليه حمايتهم من النار وعليهم طاعته، وقد قال قتادة في تفسير هذه الآية:"تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصية الله، وأن تقوم عليهم بأمر الله وتأمرهم به وتساعدهم عليه فإذا رأيت لله معصية ردعتهم عنها وزجرتْهُم عنها".
ومن السنة ما ورد عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (3) : «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» .
في هذا الحديث بين النَّبِي صلى الله عليه وسلم أنَّ كُلَّ راع ٍ فإنَّ الله سيسأله عما استرعاه هل حفظ أم ضَّيع؟ وبالتالي فإن هذا الراعي له حقوق وعليه واجبات، فمن حقوقه أن يُطَاعَ فيما يأمر به في غير معصية وألا يصدر الجميع إلا عن رأيه.
وعليه فلو أرادت المرأة العمل عليها أن تستأذن زوجها أو وليها؛ لأنه مسئول أمام الله سبحانه وتعالى.
رابعًا: عدم التفريط في حق الزوج أو الأولاد
يَجِبُ ألا يكونَ عملُ المرأةِ صارفًا لَهَا عن مُهَمَّتِهَا الأصليَّة؛ ومهمَّتُهَا الأصليَّةُ هى أن تكون زوجة، وأن تكونَ أمًّا، ومن ثَمَّ فالعمل المباحُ للجُزْءِ قد لا يكُونُ مُبَاحًا للكُلِّ إذا ترتَّبَ عليه تفويتُ مصلَحَةٍ أكْبَرَ، وحاجةُ الأمّةِ الإسلاميَّة إلى الزَّوجة وإلَى الأُمِّ أكثر من حاجتها للعاملات اللاتِي يمكنُ أنْ يحلَّ محلهُنَّ في كثيرٍ من أعمال الرجال، خاصَّة في بلادنا وفِي أوقات تنتشِرُ فيها البطالة بين الرِّجَال.
وقد اشترط الفقهاء لخروج المرأة للعمل المباح ألا يكون فيه تفريط في حق زوجها وأولادها، وقد استدلوا على ذلك بأدلة كثيرة منها:
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) : «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ قُلْتُ إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ قَالَ فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكَ وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ وَإِنَّ لِنَفْسِكَ حَقًّا وَلِأَهْلِكَ حَقًّا فَصُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ» .
(1) انظر الطرق الحكمية.
(2) انظر الأم 2/ 117.
(3) صحيح): رواه البخارى في كتاب الجمعة 893، مسلم في الإمارة 1829، أبو داود في الخراج 2928، الترمذى في الجهاد 1705، أحمد 4481.
(4) صحيح): رواه البخارى في كتاب الجمعة 1153، مسلم في الصيام 1159، أبو داود في الصيام 1388، الترمذى في الصوم 770، النسائى في قيام الليل 1630، ابن ماجة في إقامة الصلاة 1346، أحمد 6441.