فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 33

وانتشرت الموجة من تُرْكِيَا إلى مصر حيث قامت الأميرة نازلي صديقة اللورد كرومر حاكم مصر حينئذٍ بالدَّعوة إلى السُّفُور، وكان من المتردِّدين على صالونِهَا الفخم قاسم أمين فدفعته إلى أن يكتب كتابه الدَّاعِي فيه إلى نبذ الحجاب وإلى خُرُوج المرأة، وأقام الاستعمار البريطانيُّ وأذنابه ضجَّة كُبْرى لِهَذا الكتاب، وحاولوا استغلاله أبشع استغلال، وروَّجُوا له أعظم ترويج حتَّى أدرك قاسم أمين نفسه خطورة ما دُعِيَ إليه فحاول جاهدًا أن يوقف هذا التَّيَّار فلم يفلح؛ لأنَّ الاستعمار وتلاميذه وأجهزة إعلامه تجاهلت كل ما قاله قاسم أمين عندما ندم على دعوته المزعُومة إلى تحرير المرأة، وقد قال قاسم أمين قبل وفاته بعام ونصف ما يلي (1) :"لقد كنتُ أدعُو المصريِّين قبل الآن إلى اقتفاء أثر التُّرْكِ بل الإفرنج في تحرير نسائهم، وغاليت في هذا المعنى حتَّى دعوتهُم إلى تمزيق ذلك الحجاب، وإلى اشتراك النِّساء في كُلِّ أعمالهم ومآدبِهِم وولائمهم، ولكنِّي أدركت الآن خطر هذه الدَّعوة بما اختبرته من أخلاق النَّاس، فلقد تتبعت خطوات النِّساء في كثير من أحياء العاصمة والإسكندريَّة؛ لأعرف درجة احترام النَّاس لَهُنَّ، وماذا يكون شأنُهُم معهُنَّ إذا خرجن حاسرات فرأيت من فساد أخلاق الرِّجال بكُلِّ أسف ما حمدت الله على ما خذّل من دعوتِي واستنفر النَّاس إلى مُعارضتي".

قال الأستاذ محمد فريد وجدي (2) :"إن دعوة قاسم أمين أحدثت تدهورًا سريعًا في الآداب العامة وأحدثت انتشارًا مفزعًا لمبدأ العزوبة، وأصبحت ساحات المحاكم غاصَّة بقضايا هتك الأعراض وهروب الشَّابات من دور أهلهن".

ولم ينفع قاسم أمين ندمه فقد انتشرت دعوته رغمًا عنه بواسطة الاستعمار الغربِيِّ وأجهزة أعلامه الضَّخمة، والجدير بالذِّكر أن زوجة قاسم أمين لم تترك نقابَهَا ولم تتنازل عن حجابِها فقد كانت امرأة فاضلة، وكتبت تعارض دعوة زوجها وخطورتها، ولكن سبق السيف العذل، وأطبقت أجهزة الإعلام ستار الصَّمت الكثيف على مواقف قاسم أمين الأخيرة وعلى مواقف زوجته ولم يعرف النَّاس إلا دعوة قاسم أمين لتحرير المرأة، التِي رفضها قاسم أمين نفسه في أُخْريات حياته.

وأقام الاستعمار البريطانيُّ في مصر داعيات لتحرير المرأة كما يزعمن وأوَّلهنَّ وأشهَرهُنَّ هدى شعراوي، التِي تُسمِّى باسمها الشَّوارع والميادين في مصر ووالدها محمد سلطان كان أحد الذين خانوا الثورة العرابية وتحوَّلوا إلى صفِّ الإنجليز وهو الذي خذل البدو عن عُرابِي ودفع لهم الرُّشَا والأموال التي تلقَّاها من الانجليز، ودخل محمَّد سلطان القاهرة مع القوات الإنجليزيَّة وأنعم عليه الإنجليز بلقب سير وأعطوه نيشان ميشيل وسانت جورج كما أعطاه الخديوي النيشان المجيدي الرَّفيع وقلَّده له بنفسه.

وزوّجها والدها لعليِّ شعراوي باشا وهو أحد الخونة الذين كانت تعتمد عليهم بريطانيا في تثبيت استعمارها لمصر، وتركت اسم أبيها وتسمت باسم زوجها كما تفعل الغربيَّات.

ونتيجة لصلات والدها وزوجها بالمجتمعات الغربيَّة اتِّصالًا وثيقًا فقد تأثَّرت بذلك ودفعتها الجمعيَّات الماسونيَّة التِي اشتركت فيها إلى أن تتزعَّمَ حركة تحرير المرأة، وكانت امرأة ذكيَّة طموحة وثريَّة، وتتطلع إلى منافسة صفيَّة زوجة سعد زغلول التي كانت تُسمَّى أُمَّ المصريين فِي زعامتها، فما كان من الاستعمار البريطانِيِّ إلا أن هيَّأ لها وسائل الزّعامة بدعوتِهَا إلى تحرير المرأة.

وكان من نتيجة هذه الدَّعوات أن خرجت المرأة في مصر ثُمَّ تبعتها بعد ذلك كثير من الدول العربيَّة، واختلط الرِّجال بالنِّساء في المدارس والجامعات، ولم يبق مكان لم تختلط فيه النساء بالرجال وكان من نتيجة ذلك ما قالته الدكتورة بنت الشاطئ (3) :"إن المرأة دفعت ضريبة فادحة ثمنًا للتَّطوُّر، ويكفي أن أشير في إيجاز إلى الخطأ الأكبر الذي شوَّهَ نَهضتنا، وأعني أنه انحراف المرأة الجديدة عن طريقها الطَّبيعيِّ وترفُّعها عن التَّفرُّغ لما نسميه: خدمة البُيُوت وتربية الأولاد، ونحن نرى البيوت أصبحت مقفرة منهنَّ، أما الأبناء فتركوا للخدم، وقد نشأ هذا الانحراف الضَّال؛ نتيجة لخطأ كبير في فهم روح النَّهضة، وبلغ من سوء ما وصلت إليه أن نادت مناديات بحذف نون النِّسوة وتاء التَّأنيث في اللغة، كأنَّما الأنُوثة نقص ومذلة وعار وأهدر الاعتراف بالأمومة كعمل من الأعمال الأصليَّة لنا حتَّى سمعنا من يسأل: كيف تعيش أمة برئة معطلة؟! يقصد بالرِّئة المعطَّلة هؤلاء الباقيات في بيوتِهِنَّ يرعين الأولاد، وزعمُوا أن المرأة تستطيع أن تجمع بين عملها في البيت ووظيفتها في الخارج".

(1) عودة الحجاب للشيخ/ محمد إسماعيل المقدم.

(2) نفس المصدر السابق.

(3) مجلة الاعتصام عدد رمضان 1399 أغسطس 1979 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت