فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 33

فالمرأة شقيقة الرَّجُل وأخته وحياتُهَا مع الرَّجُل في الدُّنيا حياة مشتركة، بحيث يواجهان ظروف الحياة وتجري عليهما نواميس الكون.

وقد تُلجئ الضّرورة والحاجة المرأة للعمل خارج بيتها، وقد يحتاج المجتمع لخروج المرأة للعمل، فعنئذ ينبغي لمن تؤمن بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا أن تتقيَّدَ بأحكام الشَّرع حتَّى يكون خروجها للعمل خُرُوجًا شرعيًّا يكافئها الله عليه بالثَّواب في الآخرة مع ما تعطى في الدُّنيا {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} [آل عمران 195] .

وهذه الشروط تتمثل فيما يلي (1) :

أوَّلًا: أنْ يكُونَ العملُ مُباحًا

إذ لابد في العمل الذي يعمله الإنسان أن لا يخرج عن نطاق المباح؛ ليتعداه إلى الحرام حتى لا يلحقه الإثم والحرج الشرعي.

وقد يصل الأمر ببعض الأعمال خارج المنزل إلى الوُجُوب العينيِّ أو الوجُوب الكفائيِّ، ففي حالة حاجة الأُمَّة لامرأة معينة يكون الوجوب العيني، وفي حالة حاجة الأمة لفئة معينة من النساء، فيكون الوجوب الكفائي، ويبقى حكم الخروج للعمل المباح في نطاق المباح كالتَّعليم والطبِّ والتَّمريض والحسبة في وسط النِّساء والأذان والإقامة للنِّساء خاصة، وكذلك إمامتهن والعمل في الشرطة النسائية ونحو ذلك.

فكلُّ ما تقدِّمُ من أعمال جائز بدليل الكتاب والسنة والآثار والمعقول مع نصوص الأئمة الفقهاء.

ثانيًا: أنْ يكُونَ الخُرُوجُ لحَاجَةِ شَخْصِيَّة أو حاجة المجْتَمَع

فقد أمر الله تبارك وتعالى نساء النَّبِي صلى الله عليه وسلم بالقرار في البيوت، ونساء الأُمَّة تبعٌ لَهُنَّ في ذلك.

قال تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب 33] ، وهذه الآية جاءت ضمن سلسلة آداب أدَّبَ الله-تبارك وتعالى-بِهَا أمَّهات المؤمنين الطَّاهرات العفيفات زوجات النَّبِي صلى الله عليه وسلم ونساء الأُمَّة تبعٌ لهن في تلك الآداب، قال الإمام ابن كثير في تفسير الآية التي قبلها مباشرة:"هذه آداب أمر الله-تعالى-بِهَا نساء النَّبِي صلى الله عليه وسلم ونساء الأمة تبعٌ لهنَّ في ذلك".

وعليه فقد أمرت هذه الآية نساء النَّبِي صلى الله عليه وسلم ونساء المؤمنين عامة بالقرار في البيوت وعدم الخروج من غير ما حاجة.

قال الإمام ابن كثير: وقوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} أي. الزَّمنى فلا تخرجن لغير حاجة.

وقد نصَّ الفقهاء على أنَّ للمرأة الخروج من بيتها لحاجة كما أنَّهُم اعتبروا خروجها بدون إذن زوجها لا يُعَدُّ نشوزًا مادام الزوج لا يكفيها (2) .

وقد استدلَّ الفقهاء على جواز خروج المرأة؛ لحاجتها بدلالة السنة والمعقول.

فعن عائشة رضي الله عنها عن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قال (3) : « ... أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ» .

وقد أفاد هذا الحديث أنَّ للمرأة الخروج من بيتها من أجل حاجتها، وأنه لا مانع من أن تخرج المرأة لحاجة فهذا مما أذن الشرع فيه.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قال (4) : «إِذَا اسْتَأْذَنَتْ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ فَلَا يَمْنَعْهَا» .

وهذا الحديث يفيد عدم منع المرأة إذا استأذنت لحاجتها سواء كان خروجها للمسجد أو غيره.

جاء في إرشاد الساري:"ليس في الحديث التَّقييد بالمسجد، إنما هو مطلق يشمل الإذن لهن في الخروج إلى مواضع العبادة أو غيرها".

وجاء في عمدة القاري:"هذا الحديث معناه العموم فيما تخرج له المرأة سواء في ذلك المساجد أو غيرها، وفي معنى هذا الإذن في الخروج إلى العيد وزيارة قبر ميِّتٍ لها، وإذا كان حقًّا على الأزواج أن يأذنوا فيما هو مطلق لهن الخروج فيه، فالأذن لهن فيما هو فرض عليهن أو يندب الخروج إليه أَوْلَى، كخروجهنَّ لأداء الشهادة والحج وغير ذلك من الفرائض، أو لزيارة آبائهن وأمهاتِهِنَّ وذوي محارمهن".

وعن عائشة رضي الله عنها أنَّها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم (5) : «يَا عَائِشَةُ مَا كَانَ مَعَكُمْ لَهْوٌ فَإِنَّ الْأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمْ اللَّهْوُ» .

(1) ضوابط خروج المرأة للعمل-أيمن سامى.

(2) انظر في هذا: البحر الرائق لابن نجيم 4/ 331، ورد المحتار على الدر المختار لابن عابدين 5/ 259، والمقدمات الممهدات لابن رشد 1/ 43، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1/ 335، 336، ومغني المحتاج لمعرفة المنهاج للخطيب الشربيني 5/ 169، والإنصاف للمرداوي 8/ 359.

(3) صحيح): رواه البخارى في كتاب التفسير 4795، مسلم في السلام 2170، أحمد 23769.

(4) صحيح): رواه البخارى في كتاب الأذان 873، مسلم في الصلاة 442، أبو داود في الصلاة 568، الترمذى في الجمعة 570، النسائى في المساجد 706، ابن ماجة في المقدمة 16، أحمد 4508.

(5) صحيح): رواه البخارى في كتاب النكاح 5163.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت