وبعد مضي أربعة عشر قرنًا من نزول هذه الآية الكريمة فإنَّ العلم لم يعرف فوائد الرَّضاعة الطبيعية للطفل والأم إلا الآن، ونوجزها هنا فيما يلي:
فوائد الرضاعة للوليد
لبن الأم مُعقَّمٌ جاهزٌ بسبب وجود مواد مضادَّة للميكروبات، فتقلُّ بذلك النزلات المعويَّة المتكرِّرة والالتهابات التي تصيب الأطفال الذين يرضعون من القارورة.
لبن الأم لا يماثله أي لبن آخر حيث يتغيَّر تركيبه يومًا بعد يوم؛ لِيَفِيَ بحاجات الطِّفل منذ ولادته وحتَّى يكبر إلى سنِّ الفطام.
يحتوي لبن الأم على كمية كافية من البروتين والسُّكَّر وبنسب تناسب الطفل تمامًا، كما أن نوعية البروتينات والسُّكريَّات الموجودة في لبن الأم أسهل هضمًا من تلك الموجودة في الألبان الأخرى.
تكثر لدى الأطفال الذين يرضعون من القارورة الوَفَيَات المفاجئة، وهذا النوع من الوَفَيَاتِ لا يعرف لدى الأطفال الذين يلتقمون أثداء أمهاتِهِم.
نمو الأطفال الذين يرضعون من أمهاتِهِم أسرع وأكمل من أولئك الذين يرضعون من القارورة.
ينمو الطِّفل الذي يرضع من أمه نفسيًّا نموًّا سليمًا بينما تكثر الأمراض والعلل النفسية لدى أولئك الذين يرضعون من القارورة.
يتعرض الأطفال الذين يرضعون بواسطة القارورة إلى أمراض الحساسية الجلدية بأنواع والربو وحساسية الجهاز الهضمي والنزلات المعوية المتكررة.
فوائد الرضاعة للأم
الارتباط النفسي بين الأم وطفلها أثنا الرضاعة عامل مهم لنفسية الأم والطفل.
يعود جسم الأم إلى رشاقته وحجمه الطبيعي بسرعة إذا قامت بإرضاع وليدها.
يعود الرحم بسرعة إلى حجمه ووضعه الطبيعي أثناء الرضاعة.
مُدَّةُ الرَّضَاعَةِ
قرَّر الإسلامُ حقَّ الوليد في الرَّضاعة وذكر أن كمال الرّضاعة حولين كاملين، قال تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة 233] وقال تعالى: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان 14] ، وقال في مَوْضِعٍ آخر: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف 15] ، ومنها استدلَّ الإمام عليٌّ رضي الله عنه على أن أقلَّ الحمل ستة أشهر، وهذا أيضًا ما يقرِّرُهُ الطبُّ اليوم.
وتطالب هيئة الصحة العالمية أن تتفرَّغَ الأُمُّ لكلِّ مولود ثلاثة أعوام كاملة لأهميَّة الأم في نموه النفسيِّ والجسديِّ السليم.
وقد وجدت هيئة الصِّحَّة العالميَّة واليونيسف أن العالم الثالث يواجه أزمة حقيقية حيث أن الأُمَّهات اتَّجهنَ نحو إلقام أطفالهنَّ القارورة بدلًا من الثَّدي، والغريب حقًّا أن كلفة اللبن الصناعي لمدة أسبوع تستهلك كثيرًا من راتب العامل والكاسب الوحيد هو الشَّركات الاحتكاريَّة الغربية التي تكسب في كل عام ملايين الدولارات من بيع الأغذية المصنعة للأطفال في دول العالم الثالث، أمَّا الخاسران الحقيقيَّان فهما: الرَّضيعُ الذي يرضع صناعيًّا لا مناعة فيه، والأُمُّ التي فقدت الكثير من رحمتها وحنانِهَا برضيعها تحت مُسمَّى الحفاظ على قَوَامِ الجَسَدِ؛ حتَّى لا يترهَّلَ ثَدْيُهَا.
ويحث الأطبَّاء في كافة أصقاع الأرض الأُمَّهَات على أن يرضعن أولادهنَّ لأطول مدَّة ممكنة، وفي أغلب الأحوال لا تزيد هذه المدَّة عن ستَّة أشهر؛ نتيجة للحياة النكدة التي يعيشها الإنسان في القرن العشرين، بل لا تزال كثير من الأُمَّهات يلقمن أولادهنَّ القارورة بدلًا من إلقامهم أثداءهُنَّ.
والآن بعد أن رأيت الفروق الفيسيولوجيَّة والتَّشريحيَّة بين الرَّجل والمرأة وكيف أن المرأة مضطرة للبقاء في البيت وخاصَّة في فترة الحمل والولادة والرَّضاعة سيتأكد لك بما لا يدع مجالًا للشَّكِّ بأن الدعوة إلى خروج المرأة إلى معترك الحياة وترك بيتها وأولادها وزوجها هي دعوة جاهليَّة وبعيدة كل البعد عمّا تقرره علوم البيولوجيَّا والطبِّ، وهي دعوة تصادم الفطرة مصادمة واضحة، وتكون نتائجها وخيمة على الأُمِّ والطفل والأب والأسرة بل والمجتمع بأسره.
يظنُّ بعض الداعين إلى المساوة بين الرجل والمرأة أنَّ هناك تَمَاثُلًا فِكْرِيًّا بين الطرفين وأنَّ قدرات المرأة العقليَّة بصفة عامَّة تناظر قدرات الرجل، وعلى ذلك يجب على المرأة أن تخرج للعمل وكتفها في كتف الرَّجل، وهذا -التماثل الفكريُّ المزعوم- ما أثبتت عكسه الأبحاث وهدمت قواعدهم من أساسها، فماذا قال العلماء في هذا الصدد؟!.