وقد فجر أقوامٌ اليوم حتَّى ليسمُّوا الرَّقص عِلمًا ويسمُّوا دراسة الموسيقى والغناء علمًا، ويسمُّوا دراسة التَّمثيل والسّينما والمسرح علمًا، ويسمُّوا دراسة القصص الفاجرة والدَّاعرة علمًا، ويسمُّوا كل ما وصلت إليه وسائل الفُجُور والكفر علمًا. ودراسة وسائل الرِّبا علمًا ودراسة نظريَّات فرويد الجنسيَّة علمًا، نَعَمْ .. قد بلغت القحة والفُجُور بِهؤُلاء الأقوام أنْ يدَّعُوا أنَّ العلم الذي جعله الإسلام فريضة على كلِّ مسلم ومسلمة، هو هذا الفجور المبهرج والمغطى بشعارات العلم.
وحتَّى لا يلتبس الأمر على أحد فالعلم المفرُوض على كُلِّ مسلم ومسلمة هو الضرورة من علم الدِّين.
كمعرفة الشّهادتين ومعناهما، والصَّلاة والصِّيام والزَّكاة لمن يملك النّصاب والحجّ لمن يقدر عليه، وعلم أحكام المعاملة والتّجارة لمن يريد التّجارة، وعلم المزارعة والمزابنة لمن يريد المزارعة والمزابنة، وهكذا سائر الأعمال التي تفتقر إلى معرفة ما يتعلق بِهَا من الأحكام الشرعيَّة.
هذا هو ما يُسمَّى بفرض العين الذي يجب على المسلم تعلُّمُهُ، وما زاد عن ذلك في أيِّ علم من علوم الدِّين أوِ الدُّنْيَا فهو فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الكُلِّ فإذا نكصت عنه جماعة المسلمين عَمَّهُمُ الإثمُ، ما دام المسلمون في حاجة إلى ذلك العلم.
{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة 122] .
فإذا ما علمنا الأطفال من أبناء وبنات علوم الدِّين الضَّروريَّة فإنَّ علينا بعد ذلك أن ننشئ كُلّ واحد منهما حسب حاجاته الفطريَّة، ولا يمكن أن تكون برامج تعليم الأولاد والبنات واحدة وإلا لكان الأمر أشبه بمصانع الأحذية التي تخرج شكلًا واحدًا من الأحذية بالآلات.
إنَّ توحيد برامج التَّربية والتَّعليم بالنِّسبة للأولاد والبنات هو الغباء والسَّذاجة والجهل في أقبح صوره، فلابد أن تختلف برامج التَّعليم والتَّربية؛ حتى نستطيع أن نحصل في النهاية على أمهات عالمات يعرفن أساسًا كيف يربين أطفالَهُن ويقمن بشئون بيوتِهِنَّ وأسرهنَّ؟! كما ينبغي أن تلمَّ الواحدة منهنَّ إلمامًا بشئون التَّمريض ويتخصَّص في ذلك مجموعة منهنَّ لتمريض النِّساء ولطبِّ الأطفال وطب أمراض النساء والولادة، كما أنَّ على الفتاة أن تُلمَّ بشئون التَّدبير المنزلي والخياطة وأشغال الإبرة والطبخ، وقد كان المغزل في يد المرأة المسلمة أداة إنتاج هامة، كما أنَّ عليها معرفة كيفية تربية الأطفال وتنشئتهم نشأة صالحة.
هذه هي الأُسُسُ التِي ينبغي على كُلِّ فتاة أنْ تتقنها أوَّلًا بعد معرفة ما هو ضروريٌّ من أمر الدِّين، وليس عليها حرج بعد ذلك أن تعرف فُنُونًا شتَّى من ألوان المعرفة ولا أنْ تتخصَّصَ فيها إذا كانت لديها المقدرة والرَّغبة، فميدان ذلك واسع وأمره مُبَاحٌ ما دام في الحدود الشرعيَّة وما دام لا يصحبه اختلاط ولا تبرُّج ولا إشاعة الفساد والفاحشة.
يقول الدكتور الكسي كاريل:"ومن سخف الرَّأيِ أنْ نجعل المرأة تتنكَّر للأُمُومة، ولذا يجب إلا تلقن الفتاة التَّدريب العقليّ والماديّ ولا أن تبث في نفسها المطامع التي يتلقاها الفتيان وتبثّ فيهم، ويجب أن يبذل المربُّون اهتمامًا شديدًا للخصائص العُضْوِيَّة والعقليَّة في الذَّكر والأُنثى ووظائفها الطبيعيَّة فهناك اختلافات لا تنقضي بين الجنسين، ولذلك فلا مناص من أن نحسب حساب هذه الاختلافات في إنشاء عَالَمٍ مُتمدْيِنٍ".
ثُمَّ يقُول أليس: من العجيب أنَّ برامج تعليم البنات لا تشتمل بصفة عامَّة على أيَّة دراسة مُستفيضة للصّغار والأطفال وصفاتِهِم الفيسيولوجيَّة والعقليَّة؟.
يجب أن تُعَادَ للمرأة وظيفتها الطبيعيَّة التي لا تشتمل على الحمل فقط بل-أيضًا-على رعاية صغارها.
وللأسف فإنَّ برامج التَّعليم للأولاد والبنات متماثلة في معظم أنحاء العالم حتَّى البلاد العربيَّة والإسلاميَّة، وهي للأسف تنحو منحى الغرب في ذلك وتقلده تقليدًا أعمى.
وما ذكره الدُّكتور الكسي كاريل حول مماثلة برامج التَّعليم للفتى والفتاة وخطورة ذلك على المجتمع مُهِمٌّ لأنَّهُ يؤدِّي إلى محاولة طمس الفروق الطبيعيَّة والبيولوجيَّة بين الفتى والفتاة، ويؤدِّي كذلك إلى أن يجهل كل من الفتى والفتاة دوره في الحياة.
إنَّ الإسلام لم يأمُرْ المرأة أنْ تعملَ في ميادين الحياة العامة من أجل الكسب الماديِّ، لكنه كذلك لم ينهها عن العمل، ومن ثَمَّ بقي الأمر على الإباحة الأصليَّة، لكنه مشروط بالشُّروط المستمدَّة من النُّصوص ثمَّ من مقاصد الشَّريعة، وما أذنت به من دفع المضار وجلب المنافع.