وكانوا في الجاهليَّة لا يكتفون بأن يحرموا المرأة من الميراث؛ بل إنَّهم في أحيان كثيرة يحرمونَهَا من الحياة ذاتِهَا، فكان المرء إذا ولدت له امرأته بنتًا أخذها، وحفر لها حفرة فرماها فيها، وأهال عليها التراب، وما هو أشدُّ وأشنعُ من ذلك أنه قد يكون مسافرًا حين تلد امرأته فيتركها؛ حتى تكبر فيأخذها من أُمِّهَا ويحفر الحفرة وتنفض عنه ابنته التراب فيغافلها ويدفعها فجأة إلى الحفرة ثُمَّ يهيل عليها التُّراب وهي تصرخ فلا يَرِقّ قلبه لَهَا، وقد صوَّر القرآن هذا المشهد فقال الله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير 8 - 9] .
حتَّى لقد كانت بعض الأمهات تخشى من هذا المصير الأليم فتحفر بنفسها حفرة قبل أن تلد، فإذا وضعت بنتًا ألقتها في تلك الحفرة؛ لتجنِّبَ ابنتها المأساة فيما بعد، وقد تقوم بخنقها بعد ولادتِهَا.
وكان من شدة كراهيتهم للبنات أن يشتدَّ كرب الأب إذا بُشِّرَ بالأنثى َاسْوَدَّ وجهه، واكفهرَّتْ الدُّنيا وأظلمَتْ في عينيه فلا يدري أَيَدُسُّهَا في التراب أم يُمسكُهَا على هُوْنٍ؟! {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل 58 - 59] .
وكانت كراهيتهم للبنات تنبع من شيئين: أوَّلهما؛ أنَّ الفتاة لا تغني شيئًا في الحرب، وثانيهما؛ خوف العار، والغريب أننا نجد في كثير من قبائل العرب رغم هذه الغيرة تساهلًا شديدًا في موضوع البغاء حتى كانوا يُكرِهُون فتياتِهِم عليه حتى نزل قرآنٌ من السَّماء يمنعهُم من ذلك: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور 33] أي: غفور لَهُنَّ دُون المُكْرِهِينَ لَهَا، وكانوا يتجرون بأبضاعهنَّ، وأشهر من فعل ذلك عبد الله بن أبي سلول رأس النفاق في المدينة المنورة كانت له فتيات جواري يُجْبرهُنَّ على البغاء ويتكسب من ذلك، فنزل القرآن ومنعه من ذلك، وثارت ثائرته عندئذٍ ولكنه رضخ صاغرًا.
وكانت النِّساء يتبرَّجن ويتعرَّضن للرِّجال بالإغراء فَنَزَل قرآنٌ كريم من السماء ينهي المؤمنات أن يتشبَّهنَ بالكافرات كما نَهَى المؤمنين من قبل أن يتشبهوا بالكافرين فقال تعالى: {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب 33] وأمرهُنَّ أن يقرن في بُيُوتِهِنَّ قائلًا {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب 33] .
ووضع المرأة في الجاهليَّة الأولى يشبه من نواحي التَّبرُّج والفجُور وضع المرأة اليوم، إلا أنَّ تبرُّج الجاهليَّة الأولى كان ساذجًا، وتبرُّج المرأة اليوم مغلف بالمانكير والبديكير وبالعطور والمساحيق، وبالثِّياب الكاسية العارية وبالرُّؤوس التِي تشبه أسنمة البخت العجاب المائلة المميلة.
أرأيتم إلى أيِّ حدٍّ وصلت المهانة بالمرأة في تلك العصور، وسوف نستعرض حال المرأة في ظل الإسلام؛ لنرى البون الشاسع بين هذه الحال الهابطة المتردِّيَة، وتلك المقامة الرَّفيعة السَّامية.
لقد كرَّم الإسلام المرأة؛ طفلة وأختًا وزوجةً وأُمًّا، وجعلها مثل الرجل في الخطاب، ولَهَا حقُوقٌ وعليها واجباتٌ، فهي نصف المجتمع ومنبع السعادة فِي موقعها الصَّحيح.
انتشل الإسلام المرأة من الوهدة السَّحيقة التِي ألقتها الجاهليَّة فيها؛ ليضعها في مكان كريم، ليضعها أوَّلًا فِي مكان"المساواة الإنسانيَّة الكريمة": «إنَّما النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ» (1) ثُمَّ ليضعها في التَّكليف أو أمام التَّكليف مع الرَّجل سواء بسواء، قال الله تعالَى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النحل 97] ، بل وليجعلها مع الرجل في الجزاء سواء؛ قال الله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} [آل عمران 195] .
(1) صحيح): نص حديث للنَّبِي صلى الله عليه وسلم، رواه أحمد 25663 عن عائشة رضى الله عنها، أبو داود في كتاب الطهارة 237، الترمذى في الطهارة 113، ابن ماجة في الطهارة 612، صحيح الجامع 233.