وإذا بعدنا عن أسلوب المهاترات والدعاوى وكان بحثنا موضُوعيًّا فإن علينا أولا أن نعرف كيف خرجت المرأة الأوروبيَّة إلى ميدان العمل؟ وما هي الدَّوافع لذلك؟ ثم ننظر بعد ذلك في الجدوى الاقتصاديَّة لخروج المرأة من بيتها إلى المكتب أو المصنع.
يعرف المثقَّفُون عُمُومًا والمؤمنون بنظريَّة التَّفسير الماديَّ للتَّاريخ على وجه الخصوص أن المرأة الأوروبيَّة قد خرجت إلى ميدان العمل عند تكون المجتمعات البورجوازيَّة والرأسماليَّة وانْهِيار النظام الإقطاعي السائد آنذاك.
وقد ساعد على انْهِيار النِّظام الإقطاعيِّ السَّائد آنذاك فساده وطغيانه حيث كان الإقطاعي يمتلك الأرض ومن عليها، كما مهد لانْهِيار هذا النظام قيام الملكيات القوية في مختلف الأقاليم الأوروبية، وبدأت معالم التغيير القوية تظهر عند اكتشاف الآلة البخارية وقيام الثورة الصناعية الكبرى.
عندئذ هاجر آلاف بل ملايين القرويين والفلاحين من قراهم فارين من ملاكهم الإقطاعيين الذين كانوا يسومونَهُم الخسف والهوان إلى المدن الكبرى حيث تلقَّفتهم المصانع الجديدة الباحثة عن العمال بواسطة السماسرة الذين كانوا يجلبونَهُم إلى الرأسماليين لقاء أجر خاص.
ولم تكن نتيجة هروب الفلاحين والقرويين إلى المصانع نعمة على أولئك البسطاء فقد فروا من عذاب الإقطاعيِّ الظالم الغاشم؛ ليقعوا في براثن الرأسمالي الجشع الذين يعطيهم الفتات مقابل ساعات طويلة من العمل، كما أن أولئك السماسرة يقتطعون من ذلك الفتات عمولتهم.
وكانت حالة هؤلاء العمال بالغة السوء، فهم يتكدَّسُون في أماكن مدقعة الفقر سيئة التهوية بالغة القذارة، وما يتلقونه من السَّيد الجديد لا يكاد يفي بحاجات الطعام البسيطة، وانتشرت بينهم الأمراض الفتَّاكة، وخاصَّة السُّلِّ الرئوي، الذي فتك بإعداد كبيرة منهم، كما انتشر الطَّاعُون على هيئة وباء فتاك عدة مرات، وبلغ عدد ضحاياه في أوروبا في القرن الرابع عشر أكثر من خمسة وعشرين مليون، كما انتشر مرة أخرى في القرن الثامن عشر، وكان اسمه يثير الرعب في المدن الأوروبية وأطلقوا عليه اسم الموت الأسود.
ليس هذا فحسب ولكن هؤلاء القرويين السُّذَّج انقطعوا عن أسرهم في الأرياف ولم يستطيعوا أن يرسلوا لهم ما يكفل لهم العيش، كما أنَّهُم لم يستطيعوا إحضارهم؛ ليعيشوا معهم في تلك المناطق البالغة السُّوء من حيث القذارة وعدم ملاءمتها للسكن.
وبقي النساء والأطفال ينتظرون أَوْبَةَ ربِّ الأسرة الذي ذهب إلى المدينة؛ ليعولهم ويعود لهم بالرَّغْدِ والعيش الوفير، فلا الأب عاد ولا دريهماته وصلت، وكثيرًا ما كانت الأمراض الفتَّاكة تغتال ربَّ الأسرة فإن لم يقع فريسة لَهَا، فإنه مُعَرَّضٌ للهلاك بالآلات الحديثة أو في مناجم الفحم، فإن لم يكن هذا ولا ذاك فهو حبيس فقره لا يستطيع إلا أن يدور في دولاب الآلة تطحنه طحنًا لقاء سدِّ الرمق.
ويومًا بعد يوم اضطر النساء والأطفال القابعون في الأرياف إلى الزَّحف على المدن؛ بحثًا عن لقمة العيش بأيِّ وسيلة وأيِّ ثمن.
ومرة أخرى تلقفتهم أيدي سماسرة الرأسماليين؛ ليدفعوا بِهِم إلى أتُون المصانع وبأقلِّ من ربع أجر الرجل في بعض الأحيان.
كما راجت تجارة البغاء لعدة أسباب:
وأولها: العوز والفقر الشَّديد الذي حلَّ بالأُسًر القادمة من الرِّيف والتي أصبحت دون عائل.
وثانيها: بقاء آلاف بل ملايين العمال من الرِّجال دون زوجات ولابُدَّ من الاستجابة لنداء الغريزة الجنسيَّة، فإن لم يكن بالزَّواج فبالبغاء.
وثالثها: وجود السَّماسرة المستفيدين من هذه التجارة الرابحة.
واستفاد الرأسماليون فائدة هائلة من خروج المرأة للعمل حيث أنَّهُم استطاعوا أن يواجهوا تجمعات العمال المطالبة بالنصفة ورفع الأجور، واستغلوا خروج المرأة والأطفال من بيوتِهِم أبشع استغلال، واضطروهم إلى العمل بأبخس الأجور وكثيرًا ما كانت المرأة تعمل بربع أجر الرجل، وحتى يومنا هذا المسمَّى بعصر التحرُّر فإن المرأة لا تزال تقنع بنصف أجر الرجل رغم الدَّعاوى العريضة عن المساواة بين المرأة والرجل.
وقد أثار استغلال المرأة والطفولة المشاعر الإنسانيَّة لدى طائفة من المفكِّرين والأدباء فتكوَّنَتْ عندئذ الحركة الإنسانيَّة التي سعت بكل ثقلها الاجتماعيّ إلى إيقاف استغلال الرأسماليين للطبقة العاملة وعلى وجه الخصوص إلى إيقاف استغلال الطفولة، وكان من أعلام هذه المدرسة الفكرية كتاب بارزون من أمثال تشارلز ديكنز الذي فضح في قصته المشهورة دافيد كوبرفيلد بشاعة النظام الرأسمالي الذي كان يستغل الأطفال استغلالًا بشعًا؛ للعمل في مصانعه بأجر رمزي فقط.
ووجدت هذه الحركة تعاطفًا من مختلف قطاعات المجتمع، واستطاعت أن تفرض القوانين التي تمنع تشغيل الأطفال.