فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 33

ومعاملة الأدب تلخصِّهُا في القرآن الكريم كلمتان: المعروف والحُسْنى، فليس في هذا الكتاب المبين كلمة تنصُّ على معاملة للمرأة في حالَي الرِّضا والغضب وفي حالَي الحبِّ والجفاء وفي حالَي الزَّواج والطلاق لم يصحبها التَّوكيد بعد التَّوكيد بوجُوب المعروف والحُسْنَى وإنكار الإساءة والإيذاء.

والأساس الذي تُبنى عليه هذه المعاملات أهمُّ في الدّلالة على روح التَّشريع من الأحكام والنُّصُوص فهو أساس قوامه الاعتراف بالحقِّ؛ لأنَّهُ حقٌّ، وتقديره ميزان الواجب لمصلحة المرأة ومصلحة الأُمَّة ومصلحة النّوع غير منظور فيه إلى قوة الطّلب أو قوة الإكراه على قبوله وغير ملحوظ فيه أنه ترويج لدعوة من دعوات السياسة أو ضرورة من ضرورات الإدارة الحكوميَّة في ظرف من ظروف الحرج والمداراة، ودستور المعاملة القرآنية للمرأة هو دستور المرأة الخالدة في وظيفتها النوعية ووظيفتها التي يصلح عليها البيت والمجتمع ما استقام نظام البيت ونظام الاجتماع"."

أرأيتم ما جعله الإسلام للمرأة من مظاهر التَّكريم والرِّفعة والسموِّ؟!

والسُّؤال الذى يفرض نفسه علينا الآن، ما الذى حدث في مجتمعاتنا حتى ينقلنا هذه النقلة الغريبة المستهجنة؟! هذا ما سنتعرَّضُ له في الفصل التالِي.

لقد حدث شرخ في مفاهيم بعض المسلمين الذين تأثَّرُوا بالغرب، وخلطوا بين الثَّوابت والمتغيِّرات، منه ما كان عن قصد ومنه ما كان عن غير قصد.

فوسائل المواصلات، والبريد، والمصانع، والمعامل إلخ، كُلُّ هذه من المتغيِّرات ومن متطلِّبات الحياة الضّروريَّة، أمَّا الصَّلاة والصِّيام والحجُّ والحجاب والتَّمسُّك بالسُّنَّة من الثَّوابت التى لا تتغيَّر بتغيُّر الحياة من حولنا.

فمن خلط بين هذا وذاك انحرف عن الطَّريق المستقيم.

فى أواخر القرن الثَّامن عشر الميلاديِّ ومطلع القرن التَّاسع عشر فوجئت البلاد الإسلاميَّة بطوفان من الاستعمار الغربيِّ وبينما المسلمون في هجُود الكرى لم يستيقظوا بعدُ كل اليقظة جعل هذا السيل يمتدُ من قُطْرٍ إلى قُطْرٍ آخَرَ حتَّى شرَّق العالم الإسلاميّ وغرَّب، وما إن انتصف القرن التَّاسع عشر حتى غَدَتْ معظم الأمم المسلمة عبيدًا للغرب الأُورُوبيِّ والتى لم تدخل منها في عبوديَّتِهِ لم تسلم من الخضوع لسلطانه ورهبة بأسه وسطوته.

ولما بلغ هذا الانقلاب تمامه بدأت في المسلمين آثار اليقظة والحركة، فلما فتحوا أعيُنَهُم على الحال التى قد صاروا إليها؛ فشلت ريحهم، وزال عنهم بغتة ذلك الفخار والاعتزاز الذى طالما تأصَّل منهم لبقائهم في عزِّ الغلبة ومجد السيادة قُرُونًا متوالية، فعادوا يفكرون في أنفسهم كالسَّكران يُفيقه توالى الضَّربات من عدوٍّ شديد، ويبحثون عن الأسباب التى حطت بِهِم وغلَّبت الإفرنج عليهم غير أنَّ عقولهم لم تكن ثَابَتْ بَعْدُ إلى رُشْدِهَا إذ كان السُّكْرُ لا ريب قد ذهب عنهم، ولكن ميزان الفكر كان لا يزال مختلًا فيهم.

فمن جانب كان يسيطر عليهم شُعُور بالذلَّة والهوان ويؤزُّهُم أزًّا على تبديل ما هم فيه من الأحوال، ومن جانب آخر يغلبهم من حبِّ الراحة وإيثار الدّعة والارتخاء ما يحملهم على توخِّي أقرب الطُّرُق وأسهلها؛ لتبديل تلك الحالة، وقد خارت فيهم من جهة ثالثة قوى الفكر والعقل وملكات الفهم والذَّكاء بطول تعطُّلِهَا عن العمل، زِدْ على ذلك كله ما أخذ بمجامع نفوسهم من الدهشة والرّوعة التي تعتري بالطَّبع كُلَّ أُمَّةٍ منهزمة مستعبدة، وتغلغلت هذه العوامل في مُحبِّي الإصلاح من المسلمين وأوقعهم في كثير من الضَّلالات العقليَّة والعمليَّة، فأكثرهم ما كادوا يَفْطِنُون للأسباب الحقيقيَّة في ارتقاء أوروبا وانحطاطهم، وأمَّا الذين فهموها منهم وأدركوها فأعوزهم من بُعْدِ الهمَّة والعزيمة ما يتشجعون به على اختيار الطَّريق الوعر للرُّقِيِّ والتَّقدُّم، وكان من وراء ذلك كله الرّوعة والدّهشة التِي تعتري الطَّائفتين على السَّواء فلما مضوا بهذه العقليَّة المريضة الزَّائفة يريدون الإصلاح؛ لم يروا أضمن للرُّقِيِّ ولا أدنى للوصُول إليه من أن يحاكوا في حياتِهِم اليوميَّة كُل مظاهر التَّمدُّنِ والحضارة الغربيَّة، فيعودوا كالمرآة الصافية؛ يُرى فيها خيال الرّوضة والأزهار والرّياحين وليس فيها من حقيقة هذه المناظر من شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت