وهذه هي الفترة الانْهِزَاميَّة التى غَدَتْ الأُمم الإسلاميَّة فيها تحاكي أمم الغرب في الزِّيِّ واللباس، وسائر المظاهر الاجتماعيَّة؛ في أدب المجالس وأطوار الحياة، حتَّى في الحركة والمشي والتَّكلُّم والنُّطق، لقد حاولوا تشكيل المجتمع المسلم على الصيغة الغربيَّة، وقبلوا الإلحاد والدّهريَّة والماديَّة في نشوة التَّجدُّد، بدون حيطة أو شعور بالعواقب وعدوا من لوازم التنوُّر الفكريِّ إيمان المرء بكل ما بلغه من قبل الغرب؛ من فكرة ناضجة أو فجَّة والإفاضة فيه من مجال واسع، ورحبُّوا بالخمر والقمار واليانصيب والتَّهتُّك والرقص وما إلى ذلك من ثمار الحضارة الغربيَّة العفنة، ثم سلموا بجميع معتقدات الغرب وأعماله؛ في الأخلاق والآداب والاجتماع والاقتصاد والسِّياسة والقانون حتَّى في العقائد إلايمانيَّة والعبادات سلموا بكل ذلك من غير فهم أو شعور، ومن غير نقد أو تجريح كأنَّهُ تنزيلٌ من السَّماء، ليس لهم قبلة إلا أن يقولوا (آمنَّا) ، وأصبح المسلمون أنفسهم يستحيون من كل ما نظر إليه أعداء الإسلام بالتَّحقير والتَّعيير ولو كان هذا الشيء من الأُمُور الثَّابتة في الشَّرع الحنيف، وطفقوا يحاولون أن يمحوا تلك السُّبة عن أنفسهم؛ فعندما اعترض الغربيُّون على أحكام الجهاد في شريعتنا قال هؤلاء المنهزمون: (ما لنا وللجهاد ياسادة ؟ إنا نعوذ بالله من هذه الهمجيَّة) ، وعندما اعترضوا على الرّق قال هؤلاء: (إنما هو حرام عندنا أصلًا) (1) ، وعندما أطالوا لسان القدح في تعدُّد الزَّوجَات فجاء المنهزمون ينسخون بضلالهم وجهلهم آيات القرآن ويحرِّفُون الكلم عن مواضعه، ثم قال أولئك الغربيون: لابُدَّ من مساواة المرأة بالرجل في جميع نواحى الحياة فوافقهم المنهزمون وقالوا: وهذا هو الذي ينادي به ديننا ويدعو إليه، وطعن القوم في أحكام الزَّواج والطَّلاق في الإسلام؛ فقامت طائفة من المنهزمين تعالجها بالإصلاح والتَّعديل، ولما عابوا الإسلام بأنه عدوٌّ لما يُسمَّى (الفنُون الجَمِيلة) استدرك هؤلاء قائلين (بل مازال الإسلام مذ كان يحتضن هذه الفنون ويحضُّ عليها ويشرف على الرَّقص والموسيقى والتَّصوير والغناء ونحت التَّماثيلإلخ) .
ففى سبيل دفع تُهْمَةِ الجمُود التى يلحقها الغربيُّون بالشَّريعة، رأينا هؤلاء المنهزمين ينجرفون إلى أقصى الطَّريق المناقض في بيان ما تنطوى عليه الشَّريعة من مرونة التَّطبيق؛ حتى يبلغوا بهذه المرونة حدَّ الميُوعة، وانعدام الذَّات والمقوِّمات؛ تلك الميُوعة التى تجعلها صالحة؛ لأن تكون ذيلًا لأيِّ نظام وتبعًا للأهواء، وبذلك ينتهون إلى إلغاء وظيفة الدِّين، لأنَّهُم من تقويم عوج الحياة بنصوص الشَّريعة؛ يحتالون على نصوص الشَّريعة؛ حتَّى يبرِّرُوا بِهَا عوج الحياة المعاصرة.
وهكذا تنقضّ عُرى الإسلام عُرْوَةً عُرْوَةً حتَّى إذا لم يعُدْ بيننا من القرآن إلا رسمه ومن الإسلام إلا اسمه كنَّا لُقْمَةً سهلة سائغة لأعداء الإسلام وصدق علينا قول نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم (2) : «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَال:َ فَمَنْ» .
وعلى إثر ذلك التَّغيير الأهْوَج فِي كُلِّ مناحِي الحياة خرجت المرأة سَافِرَةً مُتَبَرِّجَةً فِي كثيرٍ من البلاد العربيَّة والإسلاميَّة ابتداءً بتُرْكِيَا حيثُ قام أتاتُورك وهُو من يهُود الدونمة بسالونيك بالقضاء على ما تبقى من الخلافة العثمانيَّة ثُمَّ أكمل ذلك بالقضاء على كُلِّ مظاهر الإسلام حتَّى أيا صوفيا المسجد الشَّهير حوّله إلى متحف، ولا تزال تركيا العلمانيَّة تفرض قوانينَهَا الكَافِرَة على الشَّعب التُّرْكِيِّ المسلم وتفرض عليه السّفور والتَّبرُّج عنْوَةً.
(1) أضواء البيان للشنقيطى 3/386
(2) صحيح): البخاري 7320، مسلم2669، من حديث أبى سعيد الخدرى.