فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 33

كُلُّ هذه التَّغييرات وأكثر منها تحصل في الحمل الطبيعي ناهيك عن حمل التوائم ومضاعفاته والحمل خارج الرحم وخطورته على حياة الأم.

ولا تعاني الأم من كل هذه المصاعب الجسديَّة فحسب ولكن حالتها النفسيَّة كذلك تضطرب أيَّما اضطراب فهي بين الخوف والرجاء، الخوف من الحمل ومصاعبه والولادة ومتاعبها والرَّجاء والفرح بالمولود الجديد، وتضطرب نفسيَّتها وتصاب في كثير من الأحيان بالقلق والكآبة، وتقلب المزاج.

فقل لي: بالله عليك هل يمكن أن تحاط بجوٍّ من الحنان في المصنع أو المتجر أو في المكتب، وصاحب العمل لا تهمُّه حالتها الفيسيولوجيَّة ولا يعرف حاجتها البيولوجيَّة إلى الحنان، إنه يعرف فقط أن عليها أن تؤدي عملًا تأخذ مقابله راتبًا مهما كانت ظروفها.

وليس هو مسئولًا عن حملها، وحتى لو كان هو المسئول عن حملها فإنه لا يهتمّ لذلك في الغالب، كما أنه لم يكن مسئول عن حالتها أثناء الحيض.

لا شكَّ أن حالة الحيض المتكرِّرة وحالات الحمل والولادة تتناقض ومصلحة العمل.

وخروجها إلى العمل؛ لتنافس الرِّجال يصادم الفطرة، ويسبب زيادة ملحوظة في أمراض الحيض، كما يسبب زيادة ملحوظة في مضاعفات الحمل والولادة، ودائمًا ما ينصح الأطباء الحوامل بالرَّاحة واجتناب الإرهاق الجسديِّ والنفسيِّ، كما ينصحون زوج الحامل وأفراد أسرتِهَا بأن يخفِّفُوا عنها ما استطاعوا وأن يعاملوها بالرّفق والحنان وأن يحتملوا ما قد يبدر منها من جفاء أو سوء معاملة أو غلظة، أو سوء خلق على غير عادتِهَا وطبيعتها.

فهي في وهن من أول الحمل إلى آخره، وهي في آلام وأوجاع ومصاعب وأوصاب من أول حمله إلى أن تضعه، ثُمَّ تواجه بعد ذلك مشقَّة الرَّضاعة ومشقَّة التَّربية أفلا تكون بعد هذا كُلِّهِ جديرة بالتَّكريم والتَّوقير والاحترام، وتوفير التَّفرُّغ الكامل لَهَا؛ لتؤدِّيَ هذه الوظائف العظيمة المنوطة بِهَا.

إنه الجهل المحض والكفر المقيت لدور الأم العظيم حينما يطلب منها أن تخرج من بيتها لتنافس الرجال بالمناكب والأقدام.

إن آلام الطلق تفوق أيَّ ألم آخر، ومع هذا فلا تكاد المرأة تنتهي من ولادة حتى تستعدَّ لولادة أخرى، ولا يكاد الطفل يخرج إلى الدنيا ويُلامس جسمه جسمها حتَّى يفتر ثغرُها عن ابتسامة متعبة وهي تعطيه أول رضعة له من ثديها.

وفي الماضي كانت الولادة عمليَّة شديدة الخطُورة وتنتهي كثير من حالاتِهَا بوفاة الأم أو وفاة الجنين أو وفاتِهِمَا معًا.

كما كانت حُمَّى النفاس مُنتشرة بين الوالدات، والحمد لله فقد أمكن في العصور الحديثة خفض مضاعفات الولادة على الأم والجنين ولكن الطب لم يتمكَّنْ ولن يتمكَّنَ من إزالة جميع مخاطر الولادة، ولا تزال مجموعة من النِّساء يلدن بالعمليَّة القيصريَّة، ومجموعة أخرى يلدن بالجفت، كما أن مجموعة قليلة تفقد حياتَهَا أثناء الولادة أو بسبب حُمَّى النّفاس أو تمزّق الرَّحم.

أما الأمراض المزمنة النَّاتجة عن الحمل والولادة فلا تزال رغم التَّقدُّم الطبيِّ الهائل ليست بالقليلة، وأهمُّها أمراض الكُلَى وضغط الدم وأمراض القلب وأمراض الجهاز التناسليِّ وأمراض الكبد، كما أن الأمراض النفسيَّة وحالات الكآبة تكثر أثناء الحمل وفي فترة النفاس.

تبقى الأم في فترة النّفاس أشبه بالمريضة، وتعاني من الإرهاق بعد المجهود الشاقِّ الذي بذلته أثناء الحمل والولادة.

ومن رحمة الله أن الرَّحم الذي كان يملأ تجويف البطن من عظم العانة إلى القص ينزل مباشرة بعد الولادة إلى مستوى السُّرَّة وينخفض مستواه تدريجيًّا بمعدَّل سنتيمترين يوميًّا، وفي خلال ستَّةِ أسابيع يعود أدراجه إلى ما كان عليه قبل الحمل.

ولك أن تتخيَّل حالة الرَّحم في نهاية الحمل وهو يتَّسع لأكثر من سبعة آلاف ملي لتر ليعود بعد نهاية النفاس إلى عضو لا يتَّسع لأكثر من ميليلترين فقط، كما أن وزنه عند نهاية الحمل بمحتوياته تبلغ ستة آلاف جرام.

أما في نِهَاية فترة النّفاس فيعود الرّحم إلى وزنه الطبيعيِّ وهو خمسون جرامًا وتعاني النفساء من صعوبة أثناء التبوُّل وخاصة في الأيَّام الأولى عقب الولادة نتيجة لتسلُّخات جدار المهبل وفتحة الفرج ومجرى البول أثناء الولادة، ولكن سرعان ما تزول هذه الآلام.

وتنصح النُّفَسَاء بعدم الإجهاد؛ لأنَّ عضلة القلب لا تتحمَّل أيَّ مجهود شديد، ولكن ليس معنى ذلك أن لا تتحرَّك النُّفَسَاء بل إن حركتها الخفيفة مطلوبة لتنشيط الدَّورة الدَّمويَّة وخاصَّة في السَّاقين، ولكن الإجهاد ضارٌّ بالأم، وقد تحصل حالات هبوط مفاجئ نتيجة استعجال الأم في الحركة الشديدة.

قرَّر الإسلام حقَّ الطِّفل المولود في الرَّضاعة فقال تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة 233] .

ففي هذه الآية الكريمة يقرِّرُ المولى تعالى حقَّ الطفل في الرضاعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت