قال صلى الله عليه وسلم (1) : «المرأة في حملها إلى وضعها إلى فصالها كالمرابط في سبيل الله فإن ماتت فيما بين ذلك فلها أجر الشهيد»
واستمع إلى وافدة النِّساء إلى النَّبِي صلى الله عليه وسلم أسماء بنت يزيد الأنصارية رضي الله عنها وهي تلخص موقفَ المرأة المسلمَة ووظيفتها ومع ذلك فهِي تَرْنُو إلى أجر الجهاد في سبيل الله والمشاركة فيه، فتقول: بأبي أنت وأمي يا رسُولَ الله أنَا وافدةُ النِّساء إليك، وإن الله-عز وجل-بعثَكَ إلى الرِّجال والنِّساء كافَّةً، وأنَّا معشرَ النِّساء محصُورات مقصورات قواعد بيوتكم وحاملات أولادكم وأنكم معشر الرجال فُضِّلْتُمْ علينا بالجُمَعِ والجماعات وشهُود الجنائز والحجِّ بعد الحجِّ وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله-عز وجل-وأنَّ أحدَكُم إذا خرج في سبيل الله حاجًّا أو معتمرًا حفظنا لكم أولادكم وأموالكم وغزلنا أثوابكم وربينا أولادكم أَنُشَارِكُكُمْ في هذا الأجر والخير؟ فالتفت النَّبِي إلى أصحابه بوجهه كُلِّهِ وقال (2) : «هل سمعتم مسألة امرأة قط أحسن من مسألتها في أمر دينها قالوا: يا رسول الله ما ظننا امرأة تهتدي إلى مثل هذا فالتفت إليها النَّبِي صلى الله عليه وسلم وقال: افهمي أيتها المرأة واعملي من خلفك من النساء أن حسن تبعُّلِ المرأة لزوجها يعدل ذلك كله» .
الله أكبر، الله أكبر، وأيُّةُ بشارة للمرأة أكبرُ من ذلك، إنَّ حُسْنَ تبعُّلها وتزيُّنِها لزوجها يعدلُ الحجَّ والعُمرة والجهاد في سبيل الله، لا كما نراها اليوم تتَزَيَّنُ إذا خرجت إلى الأسواق وتكون في هيئة رثَّةٍ في بيتها مع زوجها، وتتبرَّج تبرُّج الجاهليَّة الأولى وأشَدَّ وإذا خرجت معطرة تتمخْطَر بين الرجال حتَّى تلعنها الملائكة، بينما هي في بيتها وأمام زوجها في حالة رثة وهيئة مُزْرِيَةٍ.
وقد أحسنت أسماء بنت خارجة الفزاري النَّصيحة لابنتها عندما زُفَّتْ إلى زوجها فقالت (3) : أيْ بُنَيَّة، إنَّك خرجتِ من العُشِّ الذي فيه درجت فصرت إلى فراش لَمْ تَعْرِفيهِ وقرينٍ لَمْ تألفِيهِ، فكُونِي له أرضًا يكنْ لكِ سَمَاءً، وكُونِي له مهَادًا يكنْ لكَ عمَادًا، وكُونِي له أَمَةً يكنْ لكِ عبدًا لا تلحفي به فيقلاك، ولا تباعدِي عنهُ فينسَاكِ، إنْ دَنَا فاقْرَبِي منه، وإنْ نَأَى فأبعدِي عنهُ واحفَظِي أنفَهُ وسمْعَهُ وعينَهُ فلا يشمَّنَّ منكِ إلا طيِّبًا ولا يسمَع إلا حسنًا ولا ينظر إلا جميلًا.
ولعَمْرِي تلكَ نَصيحةٌ تبقي أبدَ الدَّهر لكُلِّ عروسٍ تزف إلى زوجها.
وقد أدركتها المرأة المسلمة فكانت خير زوجة عرفتها الإنسانيَّة وأنتجت تلك الأُمَّة الفريدة في التَّاريخ التي وصفها الله بخير أُمَّة {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران 110] .
وكان للمرأة دورٌ عظيمٌ في إبراز خير أُمَّة ظهرتْ على وجه البسيطة، فقد كانت المرأة نِعْمَ الزَّوجة ونعم الأُمّ ونعم المدرسة، وكمْ من أفذاذٍ في تاريخ هذه الأُمَّة أبرزتْهُم إلى الوجُود جهود أمَّهات مبرقعات، قمن بتربيتهم وتعليمهم وتأديبهم.
ولا ريب في أنَّهُ لو أُريد لِهَذِه الأُمَّة أنْ تنهضَ كما نَهَضت من قبل وأن تحتلَّ مكانها المنوط بَِها والذي شرَّفَهَا الله به، لا ريب أنَّ عليها أوَّلًا أنْ تُحْسِنَ تربية المحاضن الأولى وتُهذِّبُهُنَّ بآداب الإسلام وتعلِّمُهُنَّ بعلومه، حتَّى تتحوَّل فعلًا إلى مدرسة كما قال حافظ إبراهيم:
الأُمُّ مدرسةٌ إذا أعددتَهَا ... أعددتَ شعبًا طيِّبَ الأعْرَاقِ
بعد أنْ طوفَّتُ-أخى القارئ وأختى القارئة-بين فُصُول هذا الكتاب أَرَانِى أريد أن أطرح فكرة للدِّراسة بين أساتذة الجامعات والمختصِّين في مجال التَّربية والتَّعليم والمناهج الدِّراسيَّة علَّها أنْ تجدَ قَبُولًا وتنزل يَوْمًا ما أرض الواقع بعينها أو بتعديلها وتَهْذيبها أو بالإضافة عليها.
(1) قال الهيثمى في مجمع الزوائد: رواه الطبراني وفيه قيس بن الربيع وثقه شعبة والثوري وضعفه غيرهما، وإسحاق بن إبراهيم الصبي لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(2) قال السيوطى في الدر المنثور على آية النساء 34 (الرجل قوامون على النساء) أخرجه البيهقى.
(3) مجمع الأمثال للميدانى.