فإلى المفتونين والمخدوعين بدعوة حريَّة المرأة وعمل المرأة ومساواة المرأة أُقَدِّمُ هذا الكتاب سائلًا المولى-تعالى-أن ينفع به، وهو ولِيُّ التَّوفيق، لا معبُود سواهُ ولا ربَّ غيره، والله الهادي إلِى سواء السبيل.
لكي نحكم على وضع المرأة في الإسلام لا بُدَّ من معرفة حالِهَا قبل الإسلام من خلال الأُمَمِ والدّيانات التي كانت موجُودة، ثم بعد ذلك نعرض لوضعها في الإسلام مع ملاحظة الفرق الزمنيِّ بيننا الآن وبين زمن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
لقد كان وضعها لدى أغلب الأمم قبل الإسلام وضعًا مهينًا قاسيًا مُذلًا، فلم يكونوا يعتبرونَهَا إنسانًا ذا روح بل كانوا يعتقدون أنَّها من روح وضيعة، وهي عندهم أصل الشّرور ومنبع الآثام.
إن تميُّزَهَا فِي ظلِّ الإسلام يعتبر سَبْقًا في تاريخ البشرية منذ أربعة عشر قرنًا.
لم يكن للمرأة عند الهنُود فِي شريعة مانو أيّ حقٍّ من الحقُوق، وهي خادمة فقط لزوجها أو أبيها، ولا تملك الأهلية للتَّصرُّف في مالها بل لم يكن لَهَا حقُّ الملكية ذاته إذ كُل ما تملكه يعود إلى زوجها أو إلى أبيها أو إلى ولدها، وكانت إذا مات زوجها أحرقُوها حيَّة ودفنوها معه، وبقيت هذه الجريمة النكراء حتى بعد أن دخل الاستعمار البريطاني إلى الهند وفرض قانونًا يمنع إحراقها حيَّة، ومع ذلك فقد استمرَّ إحراق الزَّوجة من حين لآخر حتَّى في هذا القرن العشرين.
كانت اليونان في قديم الزَّمان أكثر الأمم حضارة ومدنيَّة, وكانت أثينا مدينة الحكمة والفلسفة, والطب والعلم, ومع هذا كانت المرأة اليونانيَّة لدى الأثينيين القُدَمَاءِ تُباع وتُشْتَرى, كأنَّها سلعة من السلع التجارية, وكانوا يعُدُونَها رجسًا من عمل الشيطان.
وستعجب كل العجب إذا عرفت أن المرأة الإسبرطية قديمًا كان يُسمح لها أن تتزوج أكثر من رجل, وقد اعتادت الأكثريَّة من نساء إسبرطة تعدُّدِ الأزواج, ولا ريب أن هذه العادة كانت من أقبح العادات.
وفي اليهوديَّة كانوا يضعون المرأة في مرتبة الخادم ولأبيها الحق في بيعها وهي قاصرة، ولا ترث شيئًا إلا إذا لم يكن لأبيها ذريَّة من الذُّكور، وفي العهد القديم (التوراة المحرَّفة) إنَّ المرأة لا ترث ما دام في الأسرة رجال بل إنَّها هي نفسها تورث كمتاع إذا مات زوجها ويرثها أقرب ولِيٍّ لزوجها.
وكانت المرأة عند اليهود تعتبر أصل الشّرور ومنبع الخطيئة ومصدر الآثام، وهي نجسة وخاصة في أيام حيضها، ومن لامسها يكون نجسًا سبعة أيام، وهي عندهم سبب خروج آدم من الجنة فهي التِي أغرته بأكل التّفاحة من الشجرة المحرَّمة، وهي سبب اللعنة الأبديَّة التي نزلت بآدم وذريَّته، فيولد كل ذريَّتها مُلطَّخين بعار الخطيئة.
انتشر في النصرانيَّة الاعتقاد بأن المرأة ليس لها روح وفي عام 586 من الميلاد-أي: قبل ظهور الإسلام- قرر مجمع نيكون بأن المرأة جسد به روح دنيئة، وخالية من الرُّوح الناجية واستثنوا من ذلك مريم العذراء فقط؛ لأنَّها أمُّ المسيح عليه السَّلام.
وصرح بولس بأن المرأة منبع الخطيئة وأصل كُلِّ شرٍّ ووراء كل إثم ومصدر كل قبيح، وكان القديس بونا فنتور يقول لتلاميذه:"إذا رأيتم امرأة فلا تحسبوا أنَّكُم رأيتم كائنًا بشريًّا بل ولا كائنًا وحشيًّا، إنما الذي ترون هو الشَّيطان بذاته".
أما نبيُّ الإسلام صلى الله عليه وسلم فقد كان يضطجع مع نسائه وهن حيَّضٌ، وإذا انسلت إحْداهُنَّ دعاها إلى خميلته؛ لتنام معه، وكان يباشرهُنَّ فوق الإزار، وكانت عائشة تسرح شعره وهي حائض، وكان يقرأ القرآن وهو في حجرها وهي حائض.
وشتان بين القرآن الكريم والتوراة المحرفة والإنجيل المزيف، فهذا من عند الله وهذا من تحريف اليهود والنصارى.
أمَّا العرب في جاهليَّتهم فكانوا يرون المرأة كالمتاع أو سقط المتاع، وكان إذا مات أحدهم جاء وليه فوضع عليها ثوبه فلا تستطيع أن تتزوَّجَ حتَّى يوافق هو على ذلك أو تفتدي نفسها منه بمال، وكانوا يحبسُونَها على الصبيِّ حتَّى يكبر، إذا شاء تزوجها وإذا شاء زوجها من يشاء وأخذ صداقها مالم تكن أُمَّهُ فلم يكن ينكحها.
ولم تكن للمرأة حقوق، ولم تكن ترث شيئًا، بل كانت المرأة مصدر ذُلٍّ وعار.
وقد منع الإسلام ذلك كله وفرض لها نصيبًا معلُومًا: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء 7] .
(1) المرأة بين الفقه والقانون، وكذا عظمة الإسلام للأستاذ محمد عطية الإبراشى، بتصرف.