وإذا أتي الأمر الرباني لنساء النَّبِي وبناته اللائي لا يشبههن أحدًا من النساء بل ولا يمكن الوصول إلى مستواهن بأن لا يخضعن بالقول وأن يقرن في بيوتِهِن فغيرهن من النساء لاشك أحوج إلى ذلك، وعلى المرأة أن تبقى في بيتها؛ لتربي أطفالها وتقوم بشئون زوجها وأولادها، فهم أحقُّ النَّاس بخدمتها كما أن عليهم أن يقوموا برعايتها وخدمتها وتوفير حاجاتِهَا، وليس معنى قرارها في بيتها إلا تخرج منه أبدًا فقد قال صلى الله عليه وسلم للنّساء (1) : « ... أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ» ولكن عليها إذا خرجت أن تلتزم الزيَّ الإسلاميَّ المحتشم، وعليها أن لا تبدي زينتها إلا ما ظهر منها، ولا تتعطَّر عند خروجها، ولا تتثنى في مشيتها، ولا تتغنَّج في حديثها، كما أن عليها إذا سافرت أن لا تسافر إلا مع ذي محرم، ولو إلى الحج الواجب؛ لقول النَّبِي صلى الله عليه وسلم (2) : «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» وأنَّ عليها إذا خرجت إلى المسجد؛ لتشهد الصلاة وأماكن العلم أنْ لا تتزيَّن ولا تتطيَّب؛ لقول المصطفى صلوات الله عليه «يا أيها الناس انهوا نساءكم عن لبس الزينة والتبختر في المسجد» ويقول (3) : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ» .
كما أنَّ عليها أن تمشي بوقار وسكينة وأن تكون صفوف النساء في المسجد خلف صفوف الرجال، كما أن عليها إذا صلت أن لا ترفع صوتَهَا، حتى إذا أخطأ الإمام فليس عليها أن تنبهه بقول سبحان الله كما يفعل الرجال بل عليها أن تصفق.
وقد أُذن للنساء بشُهُود الجُمُعة والجماعة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) : «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» ، ومع هذا فقد صرَّح المصطفى صلى الله عليه وسلم بأنَّ صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتِهَا في مسجدها، وصلاتُهَا في مخدعها أفضل من صلاتِهَا في بيتها، فعن أُمِّ حُمَيْدٍ السَّاعِدِيّة أَنَّهَا جَاءَتْ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَكَ قَالَ (5) : «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ وَصَلَاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي» .
فإذا كان شهود الجمعة والجماعة على ما له من عظيم الأهميَّة في الإسلام أمرًا لا يشجع عليه كثيرًا، بل يرغب عنه، ويقال للمرأة: إنَّ صلاتك في بيتك خيرٌ لك من صلاتك في المسجد، فكيف بخروجها متزينة متبرجة للاختلاط بالرجال، ومنافستهم بالمناكب والأقدام؟!.
ومع كل هذا فإنَّ الإسلام لم يمنع المرأة من الخروج؛ لقضاء حوائجها الضرورية بشرط أن تلتزم بالزيِّ الإسلاميِّ والسّلوك الإسلاميِّ وأن تغضَّ الطرف وترخي الثَّوب وتضرب بِخِمارها على صدرها وعنقها، وأن تمشي مشية الوقار والسَّكينة، وأن لا تخضع بالقول؛ حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض.
صار من المفاخر الاجتماعيَّة وسمات الأُسَرِ المتحضِّرة والطَّبقات الرَّاقيَة سفرُ بناتِهِم دُونَ محرم لبلاد الكفر؛ للدِّراسة، وألبسوا ذلك لباس الدِّين، وقالوا إن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قال (6) : «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» وتجاهلوا أن العلم المطلُوبَ هو العِلْمُ الذي يُقرِّبُ المسلم والمسلمة إلى الله، لا العلم الكاذب الذي يبعده عنه.
(1) صحيح): رواه البخارى في كتاب التفسير 4795، مسلم في السلام 2170، أحمد 23769.
(2) صحيح): رواه البخارى في كتاب الجمعة 1088، مسلم في الحج 1339، أبو داود في المناسك 1723، الترمذى في الرضاع 1170، ابن ماجة في المناسك 2899، أحمد 7366.
(3) صحيح): رواه مسلم في كتاب الصلاة 444، أبو داود في الترجل 4175، النسائى في الزينة 5128، أحمد 7975.
(4) صحيح): رواه البخارى في كتاب الجمعة 900، مسلم في الصلاة 442، أبو داود في الصلاة 568، الترمذى في الجمعة 570، النسائى في المساجد 706، ابن ماجة في المقدمة 16، أحمد 4508.
(5) صحيح): رواه أحمد 26550، صحيح الجامع 3844.
(6) صحيح): رواه ابن ماجة في المقدمة 224، صحيح الجامع 3913.